فسحة قلم

أن تموت قبل أن تموت

 

أصبحنا في حالة ترقب ومتابعة أملا في عدم تمخض مزيد من الأحداث عن ما آلت إليه أوضاع البشرية، وقد بات الواقع يسفر عن ما لا يحمد عقباه بين المرء وربه أولا، وبينه وبين نفسه ثانيا، ثم بين المرء وأخيه وقس على ذلك بين الإنسانية جمعاء، الكراهية الحقد البغضاء التنمر الخداع النصب والإحتيال، العنصرية والتمييز، كلها صفات مكتسبة، لا يولد بها الإنسان، بل إنها البيئة الخارجية المحيطة به هي التي تؤثر فيه وعليه، فإن هي كانت مرتعا لسيئي الطباع والجبلة، ومسرحا يستعرضون فيه مهاراتهم في فن الإحتقار والتباهي والإفتخار بعملية تطفل و احتكار لمساحات الأغيار، و تجريدهم من حقهم في التعبير عن ذواتهم وسلبهم حرياتهم، فغالبا ما يتأثر الإنسان بذلك إما سلبا أو إيجابا فكل حسب تنشئته ودرجة تأثره، لا يغني أحد غناء أحد، ليؤثر هو بدوره في من هم حوله في قابل أيام حياته.

والعكس ليس بالضرورة صحيح، أي أن البيئة الجيدة والتربية السوية المتزنة لا تنتج بالضرورة أشخاصا ذووا سمات وخصال حميدة، صحيح أنها تساهم في ذلك بشكل واضح إلا أن الأمر ليس بهذه البساطة، فالعلم الحديث أكد على كون أننا لسنا أسرى جيناتنا بل هي بريئة من أي اتهامات مناطها الهروب من المسؤولية وإنسابها لغير الذات، فالإنسان قادر على إعادة برمجة ذاته وذلك بما يتناسب مع الفطرة السليمة التي خلقه الله عليها، حيث أودع تعالى في كل واحد منا حرية الإختيار، وله أن يتصرف ويختار ما يشاء وكيفما يشاء، مراعيا بذلك قوله صلى الله عليه وسلم { كل ميسر لما خلق له} هنا يتجلى المفهوم العميق لكلام الفيلسوف الكبير ايريك فروم حين قال: إن مهمة الإنسان الكبرى هي أن يلد نفسه، فمعظم الناس يموتون قبل أن تكتمل ولادتهم !

أجل فكلنا يولد مرتين، لكن الفرق بين المرة الأولى والثانية كبير، فالولادة الأولى لست مسؤولا عنها أبدا ومدتها لا تكاد تبلغ السنة الواحدة بل هي بضعة أشهر لاغير إن طالت فأقصاها تسعة أشهر وإن قصرت فأدناها سبعة في أغلب الحالات. و أما الثانية فقد تستغرق شهورا أو سنوات وأن تتخبط بين الحياة والموت ولا تعلم أنك من يقرر الموعد.
بل أبعد من ذلك، فالفرق بينهما أعظم بكثير من أن يختزل في حيز الزمان الشيء الذي يجعله غير متاح لأي كان، فلا يدركه سوى أصحاب الهمم العالية والقلوب المشبعة بالنية الصافية الخالصة، فلكي يستطيع الإنسان أن ينتقل من حياة إلى حياة أخرى لابد من المرور من باب الموت، كيف لا ونحن نعلم أن الذي يفصل الإنسان عن الحياة الأبدية هو الموت لا محالة، الموت الذي يجعلك تهاجر دار الفناء إلى دار البقاء.

فإن صح هذا في المصير والمآل فهو أصح في السبل والأسباب لبلوغ هذا المآل بنفس مطمئنة راضية مرضية، أي أنه لابد للإنسان من أن يميت الأنا التي فيه ليولد من جديد كالطائر الذي يبعث من رماد احتراق جسده ليجدد نفسه ذاتيا.
وبذلك يكون قد أدى مهمته وكما يقال : إن سر الحياة هو أن تموت قبل أن تموت، لتدرك أنه ما من موت!

سمية أنزار

سمية، 24 سنة، مغربية موجزة في علوم الإقتصاد والتدبير، عاشقة للهدوء والتأمل ما جعلني محبة للكتابة التي أجد فيها ما غاب عن غيرها من وسائل التعبير…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى