تجديد الخطاب الديني

ابن تيمية وفقه التتار

 يعد ابن تيمية من أبرز الشخصيات المثيرة للجدل في القرن الحالي, وذلك لأنه يصنف أحيانا بأنه عبقرية فذة, ندر أن يجود التاريخ بمثلها, وأحيانا يصنف بأنه المرجعية الأولى للمتطرفين و “الدواعش”! ويرفض من يجعلونه “شيخ الإسلام” هذا ويرون أن هذا راجع لاقتطاع أقوال وفتوى ابن تيمية.

وبغض النظر عن كون مستند “الدواعش” في هذا الفعل هو فتوى صحيحة لابن تيمية أو مقتطعة, فإن الواقع يقول أن كثيراً من التيارات الإسلامية المتشددة تستند في أفعالها إلى “فتاوى” لابن تيمية, ومن ثم أصبح “ابن تيمية” أيقونة للتطرف عند أنصاف المثقفين, والذي يسارعون إلى ذكره هو وتلميذه ابن القيم وكذلك محمد بن عبد الوهاب, كنماذج ل “المؤصلين المتطرفين”, والذين تحمل أقوالهم قدراً كبيرا من التشدد والتطرف, وأنه علينا التبرؤ والتخلص من هذه الأقوال ظناً منهم أنه بفعل كهذا ستنتهي المشكلة ويختفي التطرف من بلادنا العربية!!

إن الذي يجب علينا أن نعيه جيداً هو أن “جذور وبذور” التطرف موجودة في “ثقافتنا” بشكل عام ومروية بواقعنا, فالواقع المرير هو الذي يروي ويغذي بذور التطرف فتنمو, وبدونها لن يكون لها حياة ووجود في المجتمع! ومن ثم فمن الظلم البين أن يُنسب التطرف إلى أفراد بعينهم تحديداً! وإن وجد في أقوالهم فعلاً أقوال متطرفة, لأنها كانت ثمرة ونتيجة لواقعهم المتحجر!!

فالواقع يقول أن ابن تيمية مقارنة ب “علماء” تلك الفترة كان “مصلحاً”, ولم تكن أقواله المستنكرة الآن تقابل  بذلك الإنكار التي تُقابل به الآن! وإنما كانت أقوالاً مألوفة في ذلك الزمان, ولكنها ليست القول المعتمد, ومع مرور الزمان أصبح أتباع المذاهب الأخرى يخفون الأقوال المستنكرة في مذاهبهم –التي توصف الآن بالوسطية- ويقولون بأقوال أخرى, بينما يصمم أتباع ابن تيمية على أنها صالحة لكل زمان ومكان, ولا يزالون يعملون بها!!

فابن تيمية الحراني عاش في القرن الثامن الهجري في عهد المماليك البحرية, عصر انحطاط وتخلف على كل الأصعدة, وجمود فقهي شديد, أصبحت معه المذاهب الأربعة ديناً لا يجوز الخروج عنها! وكذلك العقيدة الأشعرية –العقيدة الرسمية للبلاد والعباد!!- وكذلك سادت وانتشرت كثير من الخرافات الصوفية, بل ومذهب وحدة الوجود, فرأى أن هذه الصورة للدين غير صالحة, ورأى أن البديل لها هو بالعودة إلى الصورة الأصيلة للدين –من وجهة نظره- وهي “الإيمان على طريقة السلف”, فأحيى أقوالاً غير معمول بها رغماً عما في حاجة المجتمع إليها, وخرج عن المذاهب وأتى بأقوال لم يٌسبق إليها!

ويكفيك لتعرف إلى أي حد كان التشدد مألوفا وسائداً في ذلك الزمان, أن “وكلاء” المذاهب الأربعة امتحنوا ابن تيمية حول قوله بالتجسيم وحٌبس بسبب ذلك! وكذلك حُبس بسبب قوله بأن “التطليق بالثلاثة” في مرة واحدة هو بمثابة طلقة واحدة وأن الحلف بالطلاق ليس طلاقاً وإنما يحتاج إلى كفارة, وكذلك حُبس بسبب فتواه أنه لا تُشد الرحال إلا إلى ثلاث مساجد!!

ولك أن تتصور ماذا يكون الحال من إنسان عاش في مرحلة تقلبات سياسية ومذابح مليونية, وليس هناك في “تراثه” ولا واقعه الديني ما يعطي النفس الإنسانية مكانتها, وإنما يجعلها تابعة للفكرة/ الدين! ومن ثم فلا عجب أن نرى هذه الأقوال المتشددة في فتاوى ابن تيمية, فأن ابن تيمية ليقضي على الجمود والتشدد .. تطرف!! وأخذ موقفاً قاسياً من كل المخالفين تقريباً! وللذين ينقدون ابن تيمية وينسون الواقع نقول: نعم اندحر فقه ابن تيمية في عصره وانتصر علماء المذاهب الأخرى, فهل تقدمت الأمة بفقه البقية الباقية؟! إن القارئ للتاريخ الإسلامي يشعر أنه كان هناك حراك في النصف الأول منه, وبعد ذلك دخلنا مع المماليك والعثمانيين في حالة ركود وجمود كبرى!!

إن الإشكالية الكبرى التي نحتاج لمعالجتها في واقعنا الإسلامي هي “الفتوى”, وأنه يجب أن نعلم جيداً أن الفتوى فتوى وليست ديناً, أنها اجتهاد, وأنه مما يجب التخلي عنه عند تغير الأحوال والأزمان! وأن أقوال الفقهاء في الأزمنة الماضية هي بمثابة القوانين وليست ديناً, فالدين ثابت والقانون متغير! وما يصلح لزمان لا يصلح لآخر! ولك أن تتصور إذا أصبح الحكم بالإعدام على المتحرشين –بسبب الوضع الأخلاقي المتردي لمجتمعاتنا- من الدين, وظهر بعد قرون من يقول في مجتمعات لا تعاني من التحرش بأن حكم التحرش في الشرع هو القتل!! حتما سيكون قوله مستنكراً مرفوضا!

وكذلك علينا أن نعي أن تراثنا الديني  ليس “مثالياً” وأن به من العيوب والخلل الكثير! نعم هو كان في زمانه أفضل من غيره, إلا أنه لم يعد كذلك في زماننا, ناهيك عن أنه ليس التطبيق الأدق ولا الوحيد للدين.

وأهمس في أذن الشباب الذين قد يتأثرون بالألقاب الضخمة التي تُخلع على بعض الأشخاص لتراثهم العلمي الكبير: نعم, كان ابن تيمية عبقريا حاد الذهن, ولكنه كان كذلك حاد اللسان وحاد الفعال, وحتى ستنعكس شخصيته في آرائه, فلن تقتصر فقط على اللسان!! والأهم من ذلك هو: الذكاء وحده ومعرفة أقوال الفقهاء وقواعدهم وتفريعاتهم بدون الاستماع إلى صوت الفطرة “القلب”, ومع وجود تصور ناقص مبتور لله, لا يراعي الأسماء الحسنى له, ويراه مجرد إله يريد أن يُعبد, سيؤدي لا محالة للخروج بأحكام كارثية, وهو ما كان من ابن تيمية ومن غيره, ولا تزال الأمة الإسلامية –وباقي أتباع الأديان- تعاني منه حتى الآن.

في الختام أقول: “العنف ليس مصدره الفكرة” بالمقام الأول, وإنما الواقع, وبسبب الواقع يوضع “النص/ الفكرة” في قوالب معينة, وتؤدي جدلية النص مع الواقع إلى خروج تفسيرات معينة له, بينما لو كان الواقع مختلفاً لرأينا تفسيرات وتطبيقات أخرى للدين أكثر تسامحا و”إنسانية”.

لذلك أقول لن تخفت جذوة التطرف بإخفاء هذه الكتب أو حرقها, فالفكرة لا تواجه إلا بالفكرة .. وبالفطرة. وإنما بتحرير الإنسان وإحيائه, عندما نستطيع نحن العرب أن نعيش أحراراً آمنين, عندما تصبح دولنا دولاً غير استبدادية, عندما يصبح للإنسان صوتا مسموعا مؤثرا! عندما نجد أملاً في إصلاح أوطاننا, ساعتها لن يحتاج الشباب إلى الهجرة إلى بلاد أخرى, أو إلى الغوص في أفكار وتصورات وهمية, للبحث عن عوالم أفضل ليعيشوا فيها. وحتما لم يترك هؤلاء “الدواعش” أوطانهم ويسافروا إلى بلاد بعيدة ليقاتلوا ويقتلوا إلا لفقدانهم الأمل في الإصلاح السلمي, ومن ثم أيقنوا أن الإصلاح الوحيد هو بالسلاح!! وحتما لن يفكر أحد في إنكار منكر بيده إن كان يستطيع أن يغيره بلسانه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى