خواطر

الإستنارة بين الأمس واليوم

 

في ظل غنى و ثراء محيطنا المادي بالكثير من التطورات التكنولوجية التي كانت سببا في قصر المسافات بيننا وبين الآخرين و جعلت جل أنشطتنا الصعبة تؤول للسهولة، كانت كلها نتائج لأفكار أشخاص لامسوا سقف الإستنارة و كانت أفكارهم بعيدة كل البعد عن الأنانية و الأهداف الفردية، جعلوا تفكيرهم هدف تصب نتائجه في سعادة الكيان الواحد.
تطورت أفكارنا كذلك مع كل هذه التحولات أصبحنا الآن أشخاص ماهرين في فن مواقع التواصل، حتى مفهوم الإستنارة الذي كان نادرا ما يطبع لقب لأحد المعلميين الروحانيين أو علماء الطب اللذين كرسوا جزءا من حياتهم في القراءة و البحث و الصمود وراء مجموعة من التجارب الفاشلة حتى الوصول إلى النتيجة المشرفة التي ستخدم البشرية جمعاء، ففي عصرنا أصبح معناه باهتا فهو يعطى بدون استحقاق لمن كان السباق في استعمال موقع تواصل جديد أو من أثار انتباه الآخرين باستعمال أحدث تقنيات التواصل..
صارت الأنانية و التمييز صفاتنا التي لا نعترف بها رغم إثقاننا لها، فأصبحنا نعرف أنفسنا على أننا مغاربة، فرنسيون، ذكور، إناث، طوال القامة، داكنو اللون، محافظون، رياضيون، من الطبقة المتوسطة، أغنياء، وهكذا.. كل هذه علامات مميزة تفصلنا وتقوم بتصنيفنا إلى فئات، وتجعل من الصعب علينا التفكير في كوننا كيان واحد.
فعلى سبيل أبسط الأمثلة في عصرنا الحالي لو دخلت مكتب تأمينات مثلا أو أي إدارة خاصة كانت أو عمومية وسألت الموظف عن أقرب فندق سيجيبك بأن هذا ليس من شأنه و أن طبيعة ومجال عمله في التأمينات فقط فحيز كبير من تفكيره يدور حول عمله المتعب طوال اليوم و متى ستأتي ساعة العودة للمنزل وكم بقي من يوم ليستلم راتبه الشهري، فأغلبيتنا أصبحنا نعتبر أننا منفصلون كل الإنفصال عن الآخرين، حين نفكر في النجاح فإننا نفكر فقط في نجاح مسارنا الدراسي و نجاحنا في العمل و نجاح حياتنا الشخصية..
كلما راودتني أفكار كهذه تذكرت توماس أديسون لو أنه فكر في مصلحته الشخصية و كان شخصا أنانيا لكانت مصانع الشموع منتشرة بكثرة ولكانت المنافسة شرسة بين من يكون السباق في كسب مستهلكين أكثر، و من يمتاز بتصنيع أجود الشموع وأكثرها إضاءة.. ولو أن ألكسندر جراهام بدوره لم يفكر في مصلحة الكيان الواحد و سعادة الجميع لكنا لازلنا نعتمد الرسائل كوسيلة للتواصل.
إن الكيان الواحد مفهوم مجرد، لذلك يصعب إدراكه و العيش به، فليس من السهل أن تكون أفكاركنا و أهدافنا تلامس سعادة البشرية بأكملها، فلكي نؤمن بهذا المفهوم حق الإيمان وندرجه حيز التنفيذ والتطبيق فإن الأمر يتطلب منا رؤية العالم المادي من منظور أكبر و أعظم من ذلك الذي يمكن أن ندركه حتى بخيالنا، يجب علينا أن نكون قادرين على التخلي عن تلك النظرة الضيقة التي اعتدناها، فكل هذا ليس بالأمر السهل خاصة أننا نعيش في عالم يحتم علينا العيش في حدود مادية ضيقة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق