خواطر

البطولة في زمن الفانتازيا

الزمان: زمن الكورونا
المكان: مكان العزلة
ككل الأيام التي أمضيتها في عزلتي هذه، أرى أشعة الشمس تتسلل إلى فناء العمارة التي تطل عليها نافذة غرفتي نهارا، وأرى الأضواء المتسسلة من نوافذ البيوت المقابلة لشقتي ليلا، لا أرى الشمس و لا القمر، لكني أعلم أنهما هناك، في السماء.. تماما كما لا يرى كل أولئك الذين لزموا بيوتهم هذه الأيام مخلوقا متناهي الصغر يدعى”كورونا“، هم أيضا يعلمون أنه هناك، في الخارج.. لكنهم لم يروه…أرى شلال المنشورات الذي يتدفق بقوة على حائط الفضاء الأزرق وقد مزج الصحيح بالكاذب، مايبهج و ما يفجع، ما يفيد وما لا يفيد…فأحمد الله أني من الصنف الذي ينظر إلى الكأس بأكمله، فإن استطعت أن أملأ شيئا من الجزء الفارغ منه، فعلت، وإلا شكرت لله أن هناك جزءا ممتلئا..
كالذهب يجذب العيون بلمعانه و جماله، جذبت انتباهي منشورات انتشرت مؤخرا تتنبؤ بمجتمع جديد في زمن ما بعد الكورونا سيختلف بكثير عن ذلك الذي ألفناه حتى الآن، وقد رفع البعض شعار إعادة ترتيب المجتمع، فأغراني هذا لكي أحمل قلمي و أدلي بدلوي، أنا الآخر، في هذا الحلم الجميل الذي يتمنى كل منا أن يراه تحقق، أو قل هي رغبة ملحة و محاولة أخرى من محاولاتي المتوالية لإثبات أني مازلت أصلح لشيء حتى وأنا معزول في سجن الحجر الصحي؛ حتى لو كان هذا الشيء مجرد عملية أخرى من عمليات ملأ الأوراق مدادا..
لست عرافا، ولا أؤمن بالعرافة، ولكني سأتجرؤ وأكتب عن زمن أظنه سيأتي، وسأسميه «زمن الفانتازيا». انتصر العالم أخيرا على الفيروس اللعين، فخرج الناس إلى الشوارع و الأسواق و المساجد و الساحات العمومية، حيثما وليت قبلتك ظننت أهل الدنيا كلهم قصدوها، وفرغت بيوت من أصحابها كأن لم تعمر بالأمس.. أقيمت الأعراس و الحفلات و الأفراح من جديد، هذا يوم عيد ينبغي أن ينضاف إلى باقي الأعياد..
في أحد مواسيم «التبوريدة» تجمهر الناس حول ساحة العرض بشكل أكبر بقليل أو بكثير عن المعتاد. بدأت فرق الخيالة عروضهم الفولكلورية واحدة واحدة… مع الأسف خرجت طلقات بارود فرسان الفرقة الأولى بشكل متفاوت، فتعالت أصوات المتجمهرين سخرية و استهزاء، ومضى الفرسان يلعنون حظهم العاثر. تكرر الأمر ذاته مع الفرقة الثانية ثم الثالثة.. لكن شيئا من الحظ و كثيرا من المراس و الخبرة حالفوا الفرقة التي تلتهم، فبدت طلقتهم كأنها واحدة وبصوت أكثر ارتفاعا و أشد وقعا.. انطلقت الزغاريد، والتشجيعات، وصاح بعضهم يستذكر بطولات عبدالكريم الخطابي، و موحى أوحمو، و غيرهم…وصفقوا بشدة مثبتين مجددا أن من في القاع لا يصفق له إلا من في القاع مثله.. ونسي الناس نذورهم في زمن الكورونا… ولو اطلع عليهم الخطابي لبكى عليهم ضحكا ولردد أبيات المتنبي :
ضحكت فصرت مع القوم أبكي ** وتبكي علينا عيون السماء
وكم ذا بمصر من المضحكات ** ولكنه ضحك كالبكاء
ولكن مصر المتنبي صارت أمصارا… هذا زمن الفانتازيا، يا سادتي، قد بدأ… لايهم أن تحقق انتصارا إقتصاديا، أو إنجازا علميا، أو تفوقا صناعيا… يكفي أن تحقق للناس الفرجة و سينصبونك بطلا لهم!
إننا نظلم أصحاب التفاهة حين نطلب منهم أفضل مما يجيدون، فكما يقال:” الإنسان عدو لما يجهل “. ولكني أعيب على من يعلمون ويكتفون بادعاء الحكمة وفهم أسرار الكون وهم غائبون على أرض الواقع، فصاروا يمارسون نوعا من أنواع الفانتازيا.. ولو فهموا شيئا حقا، لعلموا أنما يطلب العلم للعمل لا للقول!
أعيب على مثقفينا الذين حفظوا تاريخ الإغريق و أثينا، وصدعوا رؤوسنا بشعارات الحرية و الديمقراطية و الفكر و الثقافة… فلما جد الجد واحتجناهم ليساندوا الناس غابوا.. ربما ليكتبوا مجلداتهم التي تحلل المجتمع في زمن الكورونا، ولكي يعرضوها علينا حين تنجلي و يسترزقوا بها من جديد. صدقوني، أنتم تمارسون نوعا من أنواع الفانتازيا..
أعيب على صناع المحتوى الجيد غياب عنصر التسلية في إنتاجاتهم، وبدل أن ينخرطوا في التحدي، وجلهم يعلم أن الحياة لا تحابي أحدا، وأن من جد وجد.. يكتفون بترديد عبارات المظلومية و رذاءة ذوق الناس. سأكون صريحا معكم، هذا نوع من أنواع الفانتازيا..
أعيب على بعض المتدينين تحاملهم على كل محاولة تغيير، فينبشون فيها عن الأخطاء وكأننا في زمن ذي القرنين يصل الشرق بالغرب حضارة، ولكن الزمن زمن الخضر.. يصلح كل ما يستطيع أن يصلحه، ويتمم كل عمل من قبله، حتى يشاء الله أن يأتي جيل الكنز.. والأيام دول، والمهم أن يصنع كل فرد ما يستطيع صنعه.. ولكن البعض مع الأسف يريد أن يصنع من البشر ملائكة وما هو ببالغ ما يريد. و لهؤلاء بالضبط أقول : أنتم تمارسون نوعا من أنواع الفانتازيا..
أعيب على كل من أوتي شيئا من العلم جعله يفهم أن المجتمع كالسفينة ينجوا كاملا أو يغرق كاملا، فلا يفعل شيئا لتبقى هذه السفينة فوق الماء، ولو فقط بترك من يفعلون ذلك وعدم التعرض لهم..
ردا على من يدعوا إلى إعادة ترتيب المجتمع حين تنجلي هذه الضائقة بإذن الله، أقول نعم، وهذا هو المطمح و المطمع، ولكن قبل ذلك لابد من إعادة ترتيب العقل أولا؛ الفردي و الجمعي.. لابد من إعادة تصحيح بعض المفاهيم كالبطولة مثلا، وهذا أمر يمكن أن نبدأ فيه حتى ونحن في عزلتنا الإجتماعية، لنجني ثمارها فيما بعد.
وختاما، أعود إلى موسم «التبوريدة» وأقول: قد يفهم القارئ أني ضد هذا الموروث الفولكلوري، والحق أن العكس هو الصحيح. فأنا من محبي إرتياد مثل هكذا تظاهرات، ولكن في الوقت ذاته لا أرى أن الفارس الحقيقي هو من يحمل سيفا أو بندقية كما يتخيله الكثيرون، وإنما أتخيله يحمل قلما و أوراقا يواجه بها أفكارا قاتلة استعمرت العقول.

عبدالصمد بوتكيوت

مواطن مغربي، بالغ من العمر 29 سنة. ولدت في قرية صغيرة بين الجبال في ضواحي مدينة تزنيت. حاصل على شهادة الماجستير من كلية العلوم و التقنيات بالسطات تخصص الأنظمة و الشبكات، محب للتدوين و السفر و محادثة الناس و التعلم منهم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى