تربية وتكوين

الحجر الصحي فرصة لإحياء وعي القراءة

 

لا غرو أن العالم بأسره منذ بداية هذا العام دخل منعطفا جديدا،وذلك بظهور بؤرة أولى لفيروس فتاك بالصين،أودى بحياة عديد من البشر،اصطلح عليه (كوفيد 19)،صنفته مؤخرا منظمة الصحة العالمية بوباء عالمي،اجتاح دول العالم دون أسلحة ولا نيران،حرب صامتة بامتياز،هذه سنة الله في أرضه،فالتاريخ منذ الأزل عرف طاعونات ووباءات عديدة..لذا اتخذت إجراءات وتدابير بغية الإنتصار عليه بأدنى خسائر،وكانت آخر محطة،فرض الحجر الصحي على الأفراد توخيا لعدم انتقال العدوى،بالتالي أصبح الفرد يقضي الساعات كلها في مسكنه،اللهم الخروج لقضاء مأرب لا يمكن الإستغناء عنه.

   هذا ما يجعلنا نتساءل عن كيفية استغلال هذا الحجر واستثماره في هذه الظروف؟ أليس هذا الحجر وسيلة لإحياء ثقافة القراءة في الأسرة والوسط العائلي؟ هذا ما سنسلط عنه الضوء إن شاء الله تعالى في هذا المقال،سائلين منه العون والتوفيق في ذلك.

    إن الرعب أضحى اليوم جزءا من حياة البعض،أصبح الجزء الأكبر في تفكيرنا،تفكير المتأمر الخائن المتقي شر الناس،تحت تأثير هذا الضرب من التفكير ،مطلوب منا جميعا أن نتبع آليات جديدة كل يوم لوأد هذا الروتين،الزاحف بقوة على مناحي الحياة،هذا الروتين الذي كان في الماضي القريب أسلوب حياة مقرف،أصبح اليوم واقع نعيشه وعادة يومية،فما السبيل لتجاوزه واستغلاله؟

     القراءة كما قيل هي وعي،هي التي تنتج مجتمعا واعيا مثقفا،ليس فقط القراءة النظامية وإنما القراءة عموما،من قراءة كتب،روايات،مجلات وغيرها،هي التي تبين مستوى الفرد في المجتمع،وصدق الفيلسوف حين قال:”تكلم كي أراك”فالإنسان كرمه الله تعالى بالعقل،ليفكر ويبدع به في ما ينفعه،ولعل القراءة عرفت تراجعا كبيرا في الآونة الأخيرة،لاسيما في الأوساط العربية،لا أقول هذا،وإنما هو واقع أفصحت عنه الأحصائيات العالمية مؤخرا لواقع القراءة،بلغة الأرقام .

    كثير من التساؤلات تطرح نفسها عن سبب هذا العزوف الملحوظ؟قد يقال بأن الوسائط الإلكترونية أو مواقع التواصل الإجتماعي وغيرها،كان لها الدور الأبرز في هذا العزوف،لكن بين ذاك وذاك،اليوم أصبح الفرد بمنأى عن كل الملاهي والأنشطة الترفيهية وغيرها التي كان يتذرع بها قبل هذا،بالتالي هلا وقفنا وقفة تأمل مع هذا الواقع والقراءة،لعلنا نحييها من جديد.

      لا  شك أنه لا سبيل لإزالة هذا الضجر الذي يعاني منه الكل اليوم،إلا بتذوق متعة القراءة،وصدق الشاعر حين قال:”وخير أنيس في الزمان كتاب “فهي التي تجعل الفرد ينتقل بنفسه من حجر إلى سراح فكري،انفتاح على ثقافات،تجارب…واليوم أصبحت هذه الوسائل توفر كل ذلك،دون أي ضغط مادي،الكتب أصبحت متوفرة في  الانترنيت…ما على الإنسان إلا أن يستغلها،حتى يتذوق حلاوتها،ومن تم لن يفارقها،وفي نفس الوقت يكرس هذا الوعي لدى أفراد أسرته…وهكذا نربي جيلا قارئا بامتياز. 

   لا يختلف اثنان في أن أشرف ما يمكن قراءته،هو كتاب الله عز وجل،وهز الذي يأجر قارئه وسامعه،وأن يتخذه أميره وأنيسه كما قال الإمام الشاطبي رحمه الله،مصداقا لقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه الترمذي عن عبد الله بن مسعود: “من قرأحرفا من كتاب الله عز وجل فله به حسنة،والحسنة بعشر أمثالها،لا أقول ألم حرف،ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف “.لذلك ينبغي على الإنسان أن يخصص وقتا من يومه،لقراءة جزء منه كل يوم،حتى يختمه،ونحن على مشارف شهر القرآن،رمضان المبارك،نسأل الله تعالى أن يبلغنا إياه،زد على هذا قراءة كل ما من شأنه أن ينمي فكر الإنسان وثقافته،من كتب وروايات ومجلات في أي تخصص كيف ما كان،فالعلوم متكاملة بعضها ببعض،وكل يوم يقرأ الإنسان ورقات،وهكذا لن يحس حتى يألف ذلك،ويصبح عادة له،فكما أن الطعام غداء للبدن،فالقراءة غداء الروح،ومن تم يحتدى به في القراءة.

     يقول الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه البخاري في صحيحه عن عبد الله بن عباس: “نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس،الصحة والفراع”فها نحن الإنسان في فراغ تام وصحة وعافية،أدامهما الله على الجميع،بالتالي ينبغي أن نحسن استغلالها،بعيدا عن ضياع الوقت،في مواقع التواصل الإجتماعي وغيرها في القيل والقال،في إطار برنامج يومي يعطي فيه الفرد لكل شئ حقه دون إفراط ولا تفريط،بالتالي يكون هذا الحجر قد ترك عنده عادة ايجابية،ووعيا نبيلا وساميا.

   بهذا النهج يكون الفرد،قد جعل من هذا الحجر،أرضية ونقطة انطلاق لإحياء وعي،في نقل نفسه من حجر إلى انفتاح فكري،ويكرسها في وسطه،ولا نحتاج إلى الحديث عن أهمية القراءة ودورها،وما أنتجته من مثقفين ومفكرين على مر التاريخ،سجل التاريخ أسمائهم،أمثال أحمد أمين،طه حسين،نجيب محفوظ…الذين استطاعوا رغم خيانة بعض الظروف،النهوض بالقراءة،وجسدوا نموذجا للإنسان العربي المثقف والقارئ،فكيف بنا نحن من توفرت لهم ظروف لم تتح لغيرنا من قبل!!!

    ختاما لعل هذه الكلمات التي نسجت في هذا الموضوع،ماهي إلا إشارات عابرة،وإلا فالحديث عن القراءة لا يسعها مقال ولا مؤلف،وما هي إلا نتاج لحرقة على هذا الواقع المزري التي تعيشه القراءة،وهي دعوة لأوساط الشباب لإحياءها بالخصوص في هذه الفترة التي توفر لدى الكل أرضية خصبة لها.

   نأمل أن نكون قد وفقنا هذا الطرح وأن يكون في المستوى المطلوب.

  حفظكم الله من كل مكروه. 

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق