جمع المؤنث السالم

العنف ضد المرأة /Violence against women.


نجلاء صبري 
كاتبة من مصر

تُعَّد مشكلة العنف ضد المرأة ـ والذي يتخذ ألواناً مختلفة ـ أحد أبرز المشكلات الاجتماعية التي باتت تُحيط بحياةِ مُعظم الفتيات والنساء بغض النظر عن السن والدخل والطبقة الاجتماعية، والمستوى الثقافي، فهي مشكلة واسعة الانتشار. وتُعتبر من المشكلات القائمة والمستمرة ، ليس على المستوى المحلي فقط ، بل في جميع أنحاء العالم، حيثُ تُمثل أبرز الانتهاكات الصارخة لحقوق الانسان ، فالمرأة المُتعرضة للعنف تعاني من الإيذاء الجسدي و النفسي الذي يبلغ حد فقدان الحياة أحياناً، كما تتحمل بعض المجتمعات التكلفة الاقتصادية المترتبة على علاج وإعادة تأهيل النساء الناجيات من العنف، وعلى مداواة أطفالهن ؛ وتؤدي الظاهرة أيضًا إلى ضعف مشاركة النساء في التنمية و إلى ضعف إنتاجياتهن ؛ فضلاً عن تحمل المجتمعات لتبعات مُلاحقة مُرتكبي العنف، هذا بالإضافة إلى الثمن الباهظ الذي يدفعه الأفراد الذين يتعرضون للصدمات. 

وقد شهدت المنطقة الأورو- متوسطية ارتفاعًا ملحوظًا في وتيرة العنف ضد النساء، وفي ضعف النساء أمام العنف بين العامين 2011 وبداية 2014 فغالبًا ما يُستخدم العنف ضد النساء، بما في ذلك العنف الجنسي، في دول جنوب وشرق المتوسط التي تواجه حاليًا مختلف التحديات، نزاعات كانت أم تحولات سياسية، كأداة حربٍ أو وسيلة لترهيب النساء ووصمهن وإقصائهن من عمليات التحول السياسي. كما وثقت هيئات الأمم المتحدة جرائم عنفٍ جنسي وخصوصًا في ليبيا وسوريا ، كما انطلقت إجراءات دولية في ليبيا لمقاضاة المسؤولين على المستوى السياسي، وفي مصر وتونس وهما من بين الدول التي تمر بمراحل انتقالية كان العنف الجنسي وخاصةً التحرّش الجنسي، مستشرٍ وأصاب أكثر من 99.3% من النساء في مصر عام 2011 وفقا لتقارير المنظمات غير الحكومية والأمم المتحدة . هذا ، وقد عقدت لجنة وضع المرأة في مارس 2013 حلقة تحاور للخبراء ، عن موضوع “القضاء على جميع أشكال العنف ضد النساء والفتيات ومنع وقوعها : مع التركيز على منع العنف ضد النساء والفتيات “، وقد أعربت المشاركات عن القلق لأنَّ العنف ضد النساء والفتيات من أكثر الانتهاكات انتشاراً في العالم ، وهو مُتَجَّذِر في هيكلية عدم المساواة والتمييز بين الجنسين، ويقع العنف ضد النساء والفتيات في أوقات السلم والنزاع ، وفي المجالين الخاص والعام 

فمُنذ أوائل السبعينيات من القرن الماضي، أُجريت بحوث مستفيضة في كثير من المجتمعات في جميع أرجاء العالم حول مختلف القضايا المتعلقة بالعنف ضد المرأة من جانب زوجها وشركائها المقربين، تلك البحوث تتضمن مسوحًا حول مدى انتشار وخصائص عنف الأزواج وعوامل خطر هذه المشكلة، فضلاً عن دراسات حول بعض المواضيع المتعلقة بالمشكلة ، كمواقف عامة الناس والمهنيين إزاء الأزواج الذين يرتكبون انتهاكات بحق زوجاتهم ويتعرضون لهن بالضرب، ومواقفهم تجاه النساء المُعنفات والمُعتدى عليهن، بالإضافة إلى التدخلات والعلاجات الناجحة والأقل نجاحًا مع الضحايا والجناة. كما تتضمن تلك البحوث دراسات حول العنف ضد المرأة وأثره على صحتها النفسية، وسلوكيات وإستراتيجيات النساء في البحث عن المساعدة بهدف مواجهة العنف، ومناقشة حالة الأطفال الذين يشهدون العنف ضد أمهاتهم ، إلا أنَّه وعلى الرغم من تزايد الاهتمام بمشكلة العنف ضد المرأة في العالم العربي على مدى العقدين الماضيين، فإنِّه لا يزال هناك نقص في الأبحاث التي تُجرى حول العديد من المواضيع المُتعلِقة بهذه المشكلة.

وقد جاء هذا الاهتمام استجابة لحركات تحرر المرأة التي اتسعت في كل أنحاء العالم ، حيثُ أصَّدرت الأُمم المُتحدة القرار رقم (18) لعام 1991 الذي أشار إلى ضرورة وضع حد للعنف ضد المرأة، واعتبار الخامس والعشرين من نوفمبر من كل عام يومًا عالميًا لمناهضة العنف ضدها، فعلى الرغم من أنَّ مشكلة العنف الموجه ضد المرأة معروفة لم تكن توجد برامج لحماية المرأة أو بيوت لإيواء الزوجات المُساء إليهن، ولم تكن البرامج الإرشادية والعلاجية موجودة (Newman , 1993 : 108). 

وقد انضمت مصر إلى عديد من الاتفاقيات الدولية حول حقوق الإنسان، التي تتناول قضية العنف ضد النساء، وقد أقرت الأُمم المُتحدة بتضمين العنف ضد النساء في إطار مبادئ المساواة بين الجنسين وتدابير مناهضة التمييز في ميثاق الأُمم المُتحدة، والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والعهد الدولي حول الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، والعهد الدولي حول الحقوق المدنية والسياسية، واتفاقية إلغاء كافة أشكال التمييز ضد المرأة ، كما تناول كل من إعلان الأمم المتحدة حول القضاء على العنف ضد النساء، ومنهاج عمل مؤتمر بكين قضية العنف بصفة خاصة، حيثُ يُشير الأمين العام للأُمم المُتحدة في مقدمة دراستهِ المتعمقة حول العنف ضد النساء التي أعَّدها وفق قرار الجمعية العامة للأُمم المُتحدة رقم (85 / 581) أنه ” مادام قد استمر العنف ضد النساء، لا يمكن الادعاء بأننا نُحقق تقدمًا حقيقيًا نحو المساواة، والتنمية، والسلام ” ، كما يذَّكِر الدول ” بإلتزامها بتوفير الحماية للنساء ضد العنف، ومحاسبة مرتكبيه، وحصول الضحايا على العدل والمساواة” ( المجلس القومي للمرأة ، 2009 ). 
ويحتل موضوع العنف داخل الأسرة ـ لاسيما العنف ضد الزوجة ـ جانبًا كبيرًا من اهتمام العلماء في إطار العلوم الاجتماعية، وذلك لما لهذا العنف من تأثير على الصحة النفسية والجسمية للزوجة، وبالتالي التأثيرعلى الصحة النفسية للأسرة ككل . حيثُ يُعَّتبر عنف الأزواج ضد زوجاتهم مشكلة كبيرة في مختلف المجتمعات والثقافات ، فعلى سبيل المثال في جميع أنحاء العالم واحدة على الأقل من كل ثلاث نساء قد تعرضت للضرب والاكراه على مُمارسة الجنس ، أو مُمارسة العنف ضدها بأي شكل من الأشكال الأخرى ، عن طريق الزوج أو رجل آخر من أفراد الأسرة. وقد أشار عرض لمجموعة من الدراسات التي أُجريت قبل عام 1999 في مختلف البلدان إلى أنَّ بين 10 % و 50 % من جميع النساء كُن قد وقعن ضحايا لعنف أزواجهن الجسدي ، وأنَّ بين 10 % و 30 % من جميع النساء كن قد تعرضن للاعتداء الجنسي على أيدي شركائهن مرة واحدة على الأقل

وقد سَنَّ ( 125 ) بلدًا قوانين خاصة بتجريم العنف العائلي، ويجري تعزيز تلك القوانين على الصعيد لدولي من خلال قرارات متتالية للجمعية العامة ومجلس الأمن، تدعو إلى تكثيف العمل وتوصي باتخاذ طرق متعددة القطاعات ومستدامة لإنهاء العنف ضد المرأة ( هيئة الأمم المتحدة ، 2012) . حيثُ نجد في إحدى الدراسات التي شملت إجراء مسح لأكثر من 24000 امرأة في عشرة بلدان مختلفة أنَّ مدى حدوث العنف الجسدي والجنسي على يد الشركاء خلال العلاقة الزوجية قد تراوحت بين 
15 % (في اليابان) إلى 71 % ( في إثيوبيا). وتراوحت نسبة العنف البدني الشديد على سبيل المثال ( التعرض للكم ، أو الركل ، أو الضرب ) من 4% إلى 49 %، بحيث تواجدت غالبية ومُعظم البلدان بين نسبة 13 % و 26% ( World Health Organization, 2005 ) .

بينما في مصر قدم الزناتى وآخرون نتائج المسح الديمغرافي والصحي الذي تم إجراؤه بين عينة عشوائية شملت 14779 امرأة في مصر عام 1996 ، حيثُ كشفت النتائج أنَّ واحدة من كل ثلاث نساء مصريات كانت قد تعرضت للضرب على يد زوجها مرة واحدة على الأقل خلال فترة زواجهما، ومن بين النساء المصريات اللواتي تعرضَّن للضرب في مرحلة ما خلال فترة زواجهما تبين أنَّ حوالي 45 % منهن كُنَّ قد تعرضن للضرب مرة واحدة على الأقل خلال العام الماضي، بينما 17 % منهن كُنَّ قد تعرضن للضرب ثلاث مرات على الأقل خلال نفس الفترة. إضافة إلى ذلك، فقد كشفت النتائج أنَّ 18 % من بين النساء المصريات اللاتي أفدن بأنَّهن قد تعرضَّن للضرب كُنَّ قد أُصِبن نتيجة للضرب ، وأنَّ 10% منهن كُنَّ قد احتجن إلى عناية طبية. وأفاد ثلث النساء اللاتي تعرضَّن للضرب ست مرات أو أكثر خلال السنة التي سبقت الدراسة أنَّهن كُنَّ بحاجة إلى رعاية طبية ، مقارنة مع 10 % أو أقل من المشاركات اللواتي تعرضَّن للضرب بشكلٍ أقل تكرارًا.

وقد أشارت العديد من الدراسات إلى أنَّه وبالرغم من اختلاف نسب العنف ضد المرأة بأشكاله المختلفة من مجتمع إلى آخر ومن ثقافة إلى أخرى ، فإنَِّها جميعًا تتفق على تعرض المرأة إلى العنف في معظم المجتمعات، حيثُ يؤكد تقرير ( اليونيسيف ، 2000 ) على تنامي هذه الظاهرة عالميًا، و تُشير الإحصائيات إلى أنَّ 95% من ضحايا العنف والإساءة في فرنسا من النساء، وأنَّ 51% منهن يقعن ضحايا للإساءة الزوجية، و 25% من المتزوجات في كندا قد تعرضَّن لخبرة فيها إساءة وعنف. وترواحت نسبة النساء المُساء إليهن من أزواجهن بين 20% إلى 29% في بريطانيا وسويسرا ، و58% في تركيا، وبلغت النسبة 16% في كمبوديا، و38% في كوريا ، و 80% في الهند، و45% في أثيوبيا و31% في نيجيريا.

أما في البلاد العربية في كل من مصر واليمن والأردن ولبنان وسوريا وفلسطين، فقد أكدت دراسة ( المكتب التنسيقي لشئون مؤتمر بكين ، 1995 ) حول أشكال العنف ضد المرأة ، على أنَّ المرأة تتعرض لأشكال مختلفة من الإساءة والعنف وبنسب متفاوتة ترتبط بالمشكلات التي تُعانى منها هذه المجتمعات كالحروب والنزاعات والهجرات والأزمات الاقتصادية ، وفي المسح السكاني الصحي – مصر 2005 قد أقرت تقريبًا نصف السيدات اللاتي سبق لهن الزواج في الفئة العمرية ( 15 – 49 ) سنة واللاتي تمت مقابلتهن خلال هذا المسح ، أنَّه قد تم ضربهن ، صفعهن ، ركلهن ، أو أنَّهن خضعن لبعض الصور الأُخرى الخاصة بالعنف الجسدي خلال وقت ما بعد بلوغهن سن الخامسة عشرة، وأنَّ 96% من تلك السيدات اللاتي تمت مقابلتهن في المسح مُختنات، كما قُتلت في مصر في الأشهر الستة الأولى من عام 2007 نحو 250 إمرأة نتيجة عنف أزواجهن أو أفراد آخرين من عائلاتهن ، بينما كانت تتعرض امرأتان للاغتصاب في كل ساعة خلال تلك الفترة ( Amnesty International Report , 2008 ) 

وقد أجرى المجلس القومي للمرأة في مصر دراسة مسحية ضمن مشروع ” دراسة العنف ضد المرأة في مصر ” الجديد في هذا المسح ، أنَّه لم يُركز على النساء فقط لمعرفة العُنف المُمارس ضدهُن ، وإنِّما تناول الرجال أيضًا للكشف عن مستوى العنف الذي يمارسونه ضد النساء بأشكاله المختلفة ، وقد أظهرت النتائج أنَّ 28 ٪ من النساء يتعرضَّن للعنف الجسدي على أيدي أزواجهن وأنَّ 62.6 ٪ يتعرضَّن للعنف النفسي، كما أقر 4 من كل 5 رجال بأنهم وجهوا شكلاً من أشكال العنف النفسي لزوجاتهم 
( المجلس القومي للمرأة ، 2009 ) .

وتكمُن خطورة العنف الأسري بشكل عام، والعنف الزوجي بشكل خاص بأنهما ليسا كغيرهما من أشكال العنف ذات النتائج المباشرة، والتي تظهر في إطار العلاقات الصراعية بين السلطة وبعض الجماعات السياسية أو الدينية، بل إنٍَّ نتائجه غير المُباشرة المُترتبة على علاقات القوة غير المتكافئة داخل الأسرة وفي المجتمع بصفة عامة، غالبًا ما تُحدِث خللاً في نسق القيم، واهتزازًا في نمط الشخصية، خاصة عند الزوجات والأطفال مما يؤدي في النهاية وعلى المدى البعيد إلى خلق أشكالٍ مشوههٍ من العلاقات والسلوك، وأنماط من الشخصية المتصدعة نفسيًا وعصبيًا . فإنتهاج أسلوب القسوة والعُنف ضد الزوجة يجعل منها إنسانًا خضوعًا ميالاً للاستكانةٍ والقهر، ولن تستمر هذه الحالة طويلاً حتى تتفجر بانفعالات مشحونة، مكبوتة لفترة من الزمن ، ونتيجة للمعاناة والقهر النفسي والكبت المدفون لديها تتحين أقرب فرصة للتعبير والتنفيس عن مظاهر السلوك غير المرغوب والابتعاد عن مسار الصحة النفسية ، وعادة ” تبدأ بأفكار مشوشةٍ وقلق واضح في التعامل ، لا سيَّما أنَّ القلق هو انفعال يتسم بالخوف والتوجس من أشياء مُرتقبة تنطوي على تهديد حقيقي أو مجهول .

وأكدت دراسة أمبيرسون وآخرون أنَّ 4% من الأزواج ، و4% من الزوجات أكدوا تعرض حياتهم الزوجية للعنف في التعامل مع القرين، وأنَّ المرأة أكثر تعرضًا للعنف من الزوج . ويُشير اليسبرج وآخرون ( Ellisberg et al., 1999 )أنَّ نسبة النساء المُتعرضات للعنف من قبل الأزواج ترواحت بين 25% إلى 60% من المترددات على أقسام الطوارئ في المستشفيات على مستوى العالم. وللعنف دلالات مُتعددة على المستوى الشخصي والاسري والاجتماعي ، يتسنى لنا في حالة ادراكها فهم طبيعة هذا المفهوم ( العنف ضد المرأة ) بصورة أكثر جلاءً ، وتوقع حدوثه والتهيؤ لمواجهته والحد منه أو تجنبه ، فهو كالأشعة التشخيصية التي تُمكننا من اكتشاف العديد من المشكلات النفسية التي يُعاني منها أطراف العنف ، والتي لم تكن لتظهر لولا انخراطهم فيه ، وقد يكون إحدى الوسائل التي يُفرغ الجاني من خلالها توترات ناشئة عن صراعات في أماكن أخرى كالعمل ، أو للتعبير عن صراعات نفسية داخلية .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق