خواطر

الموت القرمزي

رن منبهه وأحدث ضجيجا في الغرفة، مما عكر نومه الذي بات على نمط واحد منذ أن استل ستالين زعيم الشيوعية حكم السلطة، وزمام الأمور في الاتحاد السفياتي، فحاول هازار تحت غمامة إبرة منبهه أن يجد مفتاح الإغلاق، ولما تكللت محاولاته بالإخفاق تركه على حالته، ثم استيقظ متوجها نحو المنضدة، فحاول فتح كتاب الأبله فأدرك أن التفاهة جزء يختلط مع الغلاف الجوي، ولما استغرق في قراءة الكتاب، إذا بذوي البنادق تنفجر في الزقاق، فحاول أن يكتشف الأمر من النافذة الزجاجية، لكنه أدرك أن ذلك الشيء جزء من الإزعاج، مما زاد فضوله لاكتشاف مذاقه، وقبل أن يفتح النافذة رأى عربة تجرها خيول عند باب الزقاق، وعليها قنينات حديدية يبدو من ذلك البياض الذي يتقطر منها أنه حليب، فأدرك على الفور أن الفلاحين بدؤا مرة أخرى في التمرد، ولكن قبل تخمين النتائج تيقن مصيرهم، فقد فقد منذ فترة صديقه تشخوف الأصلع كما يلقبه، فكانت هذه صدمة له، وردكالية نفسية غيرت رؤيته نحو الأوضاع، وكل ما يفكر فيه الآن مهدأ للصداع، أو أقراص للنوم، أو سم يقتل تلك الكوابيس التي تستوطنه داخل هذه الغرفة، في الصباح تبادل الرصاص، وبعد الرصاص سيل من الحليب المختلط بوابل من الدماء، وفي الليل ذكرياته مع تشخوف، وعجزه عن إنقاذه من حبل المشنقة، لما قاد زمرة من العمال للتمرد على النظام البرجوازي البوليسي، لكن الجيش الأحمر أضاف أسماءهم إلى قائمة الوفيات، فقام بأمر من العقيد ” توبا” بإبادتهم، وإذلال صديقه بين حبال المنصة وستار الموت، وكان ذلك المشهد الذي استغرق خمس دقائق مسرحية العمر، **تشخوف مات الآن**، كانت هذه الجملة الباقية من مذكرات الذكريات، وكان يتمنى أن يعود إلى تلك المنصة، لكن ليس ﻹسترجاع الذكريات بل ليعدمها، أو على الأقل لتشتيتها، لا يريد أن يتذكر، ﻷن الذكريات شيطان نائم، ولكنه يهوى إسترجاعها حتى يرى مرة أخرى صديقه تشخوف أو على الأقل إحياء صورته داخل فكره، ﻷن الموت يبدأ من الفكر، والحياة تبدأ من التفكر بالموت. ولما مل هازارد من التحملق من النافذة، استل آخيرا غطاء أثيره لعله يرى يوما ما دموعا تغسل تابوت ستالين، وتزرع حول قبره زهور العمال خاصة زهرة تشخوف المظلوم…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى