جمع المؤنث السالم

تحرير المرأة وعلمنة المجتمع عند قاسم أمين.

حسين سعد

** تمهيد 

نعتمد في تحرير هذا المبحث على مجمل مؤلفات الكاتب، وإن كان كتاباه «تحرير المرأة» و«المرأة الجديدة» المعين الأغزر الذي رشفنا منه، بالنظر إلى أن معظم أفكاره حول تغيير النظرة إلى المرأة وإحداث تعديلات جوهرية مبثوثة في متني هذين الكتابين. 

في عرضنا لأفكاره، نتوقف عند جانبين، الأول في ما يتصل بتحرير المرأة، والثاني نظرته المعلمنة إلى المجتمع. 

في القسم الأول نشير إلى المقصود بتحرير المرأة، أي تخليصها من الجهل والاستبداد، وترابط ذلك مع صلاح حال الأمة، كما تناولنا تشخيصه لواقع المرأة المصرية وعلاقة العبودية التي تربطها بالرجل، ثم نقدم لمحة عن موقف الاسلام من المرأة كما فهمه الكاتب، بعد ذلك إشارة إلى الطريق التي رسمها لتكوين المرأة المصرية الجديدة، بعدها نعرض الحقوق التي يرى من الواجب أن تمارسها النساء، مخصصين جزءاً من هذا البحث لمسألة الحجاب التي تحتل جزءاً مهماً في قضية تحرير المرأة، ثم تمّ التطرق إلى رؤيته لاعادة بناء المجتمع وعاداته. 

بعد الفراغ من العرض، ننتقل إلى تحليل آراء قاسم أمين ونقدها حيث يظهر أن الهدف هو إعطاء المرأة دوراً إيجابياً في الحياة مع الاشارة إلى أن الكاتب لم يكن السبّاق في الدعوة إلى تعليم المرأة، فقد تناول الطهطاوي هذا الموضوع قبله بأكثر من ربع قرن، لكن الأول تميز عن سلفه بأن قضية المرأة شغلت معظم كتاباته واهتماماته. 

– آراؤه: 

أ- تحرير المرأة 

ما يقصده قاسم أمين في كلامه على تحرير المرأة هو إصلاح الوضع الذي تعيش فيه، أي إحداث تغيير في العادات والتقاليد، وإعادة النظر في فهم الشريعة الاسلامية لجهة نصوصها المتصلة بالنساء، فضلاً عن رفع يد الجهل عنهن، وإنهاء عهد استبداد الرجال بهنّ، وتنهض هذه الدعوة الجديدة على قاعدة الترابط بين صلاح وضع الأمة وصلاح حال المرأة. 

1 – واقع المرأة المصرية: وقبل عرض تصوره لاصلاح وضع المرأة يشخص قاسم أمين الواقع الذي تعيش فيه، فهي قد «اختصت بالجهل، واستعملها الرجل متاعاً للذة، له الحرية ولها الرق، له العلم ولها الجهل، له العقل ولها البله، له الأمر والنهي ولها الطاعة والصبر». 

ثمّ أن المرة تابع للرجل، علاقتها به كعلاقة العبد بسيده «فهي في حاجة إليه في كل شأن من شؤونها، لا تخرج إلا مخفورة به، ولا تسافر إلا تحت حمايته، ولا تفكر إلا بعقله ولا تنظر إلا بعينه ولا تسمع إلا بأذنه، ولا تعمل إلا بواسطته، ولا تتحرك بحركة إلا يكون مجراها منه، فهي بذلك لا تعد إنساناً مستقلاً، بل هي شيء ملحق بالرجل». 

ويلاحظ الكاتب أن الجهل المطبق الذي يلف حياة المرأة يجعل من عالم النساء عالماً لا صلة له بعالم الرجال، فالمرأة المصرية «جاهلة بكل أحوال الدنيا ولا تدري شيئاً من المعاملات والتجارة، ولا من أنظمة وقوانين البلاد التي تسكنها فضلاً عن الإلمام بأي شيء من أحوال البلاد الأخرى، وهي مع رفيقاتها من النساء، عالم مستقل بذاته لا يجمعه بعالم الرجال فكر أو عمل، وأمة داخل الأمة لها أخلاقها وعوائدها ومعتقداتها، وفي الحقيقة أنهن آثار عتيقة لأجيال مضت وبقايا أزمنة بعيدة. وقد كنّا نحن على حالتهنّ الحاضرة منذ ثلاثمائة سنة وأكثر، ثم تقدمنا وارتقينا وهنّ باقيات على ما كنا عليه في تلك الأوقات». 

كما يعرض لجملة من المواضع يظهر فيها احتقار الرجل للمرأة، منها «أن يملأ بيته بجوار بيض أو سود أو بزوجات متعددة ( … )، وأن يطلّق زوجته بلا سبب، وأن يقعد على مائدة الطعام وحده ثم تجتمع النساء من أم وأخت وزوجة ويأكلن ما فضل منه، وأن يعين لها محافظاً على عرضها، وأن يعلن الرجال أن النساء لسن محلاً للثقة والأمانة .. ومن احتقار المرأة أن يحال بينها وبين الحياة العامة والعمل: فليس لها رأي في الأعمال، ولا فكر في المشارب ولا ذوق في الفنون، ولا قدم في المنافع العامة، ولا مقام في الاعتقادات الدينية». 

والمرأة إلى هذا كله مستعبدة، ومن آيات هذا الاستعباد تزويجها من رجل تجهله، و«حرمانها حق التخلص منه، مع إطلاق الارادة للرجل في إمساكها كيف يشاء … ومن المعلوم أن عموم الآباء في جميع الطبقات يزوجون بناتهم على هذه الطريقة، فيتخابرون مع الخُطّاب ثم يعقدون عقد الزواج». 

والنساء على الجملة لا يتمتعن بصفات الانسانية التامة، ففضلاً عن أن الرجل يعتبر أن له الحق في السيادة الكاملة على امرأته «فمن الأسف أني شاهدت بنفسي مرات عديدة صبية يختلف سنهم بين 10 و 12 سنة، وسمعتهم يتكلمون عن والداتهم بما يقرب من الاحتقار والازدراء ويسخرون بما تقوله لهم وما تفعله معهم، فإذا كان الصبي قبل أن يبلغ رشده يرى نفسه وله الحق ـ أرقى من والدته، فليت شعري ما يكون مع هذا حال الأم؟».

2 – موقف الإسلام: إذا كانت هذه هي حال النساء المسلمات في مصر، فما هي مسؤولية الاسلام عن ذلك؟ 

يسارع قاسم أمين إلى إظهار براءة الدين الاسلامي من الحال المزرية التي ترزح تحت كابوسها المرأة المصرية، فالاسلام ليس سبب انحطاط المرأة في المجتمع المصري، إنما الأخلاق السَنِّيَة الموروثة عن الأمم التي انتشر فيها الاسلام والعامل الأكبر في «استمرار هذه الأخلاق توالي الحكومات الاستبدادية علينا». 

ويستند الكاتب إلى حديث نبوي شريف فيه أن «الجنة تحت أقدام الأمهات» ليقرر أن تشريعنا مهما قيل لا يمكن أن يكون تشريعاً بربرياً، ولا يمكن أن يقر بأية صورة عبودية المرأة». 

كما أن الشرع الاسلامي كان سبّاقاً بين الشرائع لتقرير المساواة بين الرجل والمرأة، «فأعلن حريتها واستقلالها يوم كانت في حضيض الانحطاط عند جميع الأمم، وخوّلها كل حقوق الانسان، واعتبر لها كفاءة شرعية لا تنقص عن كفاءة الرجل في جميع الأحوال المدنية من بيع وشراء وهبة ووصية من غير أن يتوقف تصرفها على أذن أبيها أو زوجها». 

ومن الأدلة التي يعرضها أمين على المكانة التي منحتها الشريعة الإسلامية «أن أباحت لها أن تكون وصية على الرجل وأن تتولى وظيفة القضاء والافتاء، أي وظيفة الحكم بين الناس بالعدل». ويستشهد بأمثلة من حياة المسلمين الأوائل لتأكيد صحة ما يذهب إليه «فجميع المسلمين يعلمون أن طائفة عظيمة من الأحاديث النبوية على اختلاف مواضيعها قد رويت عن عائشة وأم سلمة وغيرهما من أمهات المؤمنين ونساء الصحابة، وأن عدداً غير قليل من النساء اشتهرت بخدمة العلم وجودة الشعر، وأن عائشة تداخلت في مسألة الخلافة العظمى وكانت رئيسة للحزب المعارض لأحد الخلفاء. 

وفي ردّه على الدوق داركور يقول قاسم أمين: «من الخطأ القول بأن النساء المسلمات تربين في أحضان الأفكار المنحلة، وإذا كان المقصود بذلك هو أن نساءنا ينطقن أو يسمعن بعض الألفاظ دون إعلان استهجانها، فهذا صحيح، غير أن هذه مسألة عادة وتربية، وأنني أعرف جيداً أن النساء الأوروبيات يعرفن كيف تحمر وجوههن ساعة يرون ذلك». 

وفي مقارنة بين حقوق المرأة المسلمة والمرأة الأوروبية يلاحظ أن «الوضع الذي أعطاه الاسلام للمرأة هو أكثر تميزاً عما تتمناه، فهي كزوجة تتمتع بجميع حقوقها المدنية، فلها الأهلية القانونية لممارسة أي عمل من أعمال الادارة أو نقل الملكية، دون حاجة للحصول على أذن من زوجها أو تصريح من المحكمة، بينما لا تستطيع أختها الفرنسية ممارسة أي عمل من ذلك إلا إذا راق لسيدها أو زوجها أن يأذن لها بذلك». 

ولكن إذا كان الاسلام قد أوصى بأن يكون للرجال مجتمعهم، وللنساء مجتمعهن، فالحكمة من هذا «حماية الرجل والمرأة مما ينطوي عليه صدرهما من ضعف، والقضاء الجذري على مصدر الشرّ».

3 – الطريق إلى تكوين المرأة الجديدة: بعد أن عرض قاسم أمين لواقع المرأة في بلاده، وفحص عن موقف الاسلام المعارض لهذا الواقع، يصل إلى طرح تصوره حول الوسائل الآيلة إلى تحرير المرأة من الجهل والاستعباد، وتكوين المرأة الجديدة التي تقف مع الرجل على قدم المساواة في الحرية والتربية وأخذ دورها في الحياة. 

والمرأة المصرية الجديدة، التي يسعى إلى تكوينها الكاتب، هي «شقيقة الرجل وشريكة الزوج ومهذبة النوع». 

ويتراءى لقاسم أمين أن المرأة الغربية هي نموذج التقدم الذي عرفه تطور النساء، معلناً، أن «لا شيء يمنع المرأة المصرية من أن تشتغل مثل الغربية بالعلوم والآداب والفنون الجميلة والتجارة والصناعة «إلا جهلها وإهمال تربيتها». 

تربية المرأة وتعليمها: ينطلق قاسم مين من دعوته إلى تعليم المرأة وتربيتها من اعتبار أن صلاح حال الأمة يتوقف بالدرجة الأولى على تربية المرأة، التي أصبحت ضرورية، «فليس تربية المرأة من الكماليات التي ينتظر بها مرور الزمان، ويجوز الإبطاء في إعداد الوسائل لها كما يتوهمه كثير من الناس، وإنما هي من الحاجيات بل من الضروريات التي يجب البدء بها والعناية بتوفير ما يلزم لها من المعدّات، وهي الواجب الخطير الذي إن قمنا به سهل علينا كل إصلاح سواه». ويتوقف عند تصور الناس لموقف الشرع من تعليم المرأة، ويسرد تساؤلاتهم من موقع التعجب والاستهجان «إنهم يتساءلون هل تعليم المرأة القراءة والكتابة مما يجوز شرعاً أو هو محرّم بمقتضى الشريعة؟». 

ثم يناقش قاسم أمين مسألة طالما أثارها المحافظون: وهي أن تعليم المرأة يشكل خطراً على أخلاقه، وبعد أن يلاحظ أن بعض النساء اللواتي يعرفن القراءة والكتابة يكتبن رسائل غرامية، كما وقع أن «ألوفاً من النساء الجاهلات دنّسن عروضهن» يقرّ بدون تردد أن المرأة إذا كانت صالحة «زادها علمها إصلاحاً وتقوى، وإن كانت فاجرة لم يزدها العلم فجوراً، وهكذا الحال في الرجل». 

والمرأة، بنظره، يجب أن تربى لتصبح كائناً في ذاته مصدر شقائه وسعادته، لا في الرجل أياً كان أباً أو أخاً أو زوجاً. 

ثم أن النساء مثل الرجال في «الحاجة إلى عرفة الحقيقة وإلى اكتساب عقل سليم يحكم على نفوسهن ويرشدهن في الحياة إلى الأعمال الطيبة النافعة». 

وبعد أن يعرض للتأثير السلبي للأم الجاهلة على تربية أولادها المتأتية من دور الأب ومن تعليم المعلمين يطالب الآباء بتعليم البنات. «فعلى كل أب أن يعلّم بنته بقدر ما يستطيع ونهاية ما يمكن، وأن يعتني بتربيتها كما يعتني بتربية أولاده الذكور، فإذا تزوجت بعد ذلك فلا يضرها علمها بل تستفيد منه كثيراً وتفيد عائلتها وإن لم تتزوج أو تزوجت وانفصلت عن زوجها لسبب من الأسباب الكثيرة الوقوع أمكنها أن تستخدم معارفها في تحصيل معاشها بطريقة ترضيها وتكفل راحتها واستقلالها وكرامتها». 

ويطالب قاسم أمين، في المرحلة الأولى، بأن تتساوى المرأة والرجل في التعليم على المستوى الابتدائي على الأقل «وأن يعتنى بتعليمهنّ إلى هذا الحد مثل ما يعتنى بتعليم البنين». 

ويرى الكاتب أن من فضائل التعليم طرح الخرافات والتحرر من الأوهام «فإذا تعلّمت المرأة القراءة والكتابة، واطلعت على أصول الحقائق العلمية، وعرفت مواقع البلاد، وأجالت النظر في تاريخ الأمم، ووقفت على شيء من علم الهيئة والعلوم الطبيعية، وكانت حياة ذلك كله في نفسها عرفانها العقائد والآداب الدينية، استعد عقلها لقبول الآراء السليمة، وطرح الخرافات والأباطيل التي تفتك الآن بعقول النساء». 

ويقرّ الكاتب بأن مسألة التعليم تجعل من المرأة المصرية أدنى مستوى من المرأة الأوروبية، وهو إذ ينعي تربية النساء المصريات وسط الجهل المطلق، يطالب بأن تعرف المرأة «ما يكفي لكي تلقن أبناءها مبادئ الأخلاق والفضيلة، ولتقدم لهم شرحاً علمياً للأشياء التي تحيط بهم، يجب أن تعرف دائماً كيف تجيب، دون أن تخطئ عن تساؤلات الطفولة التي لا تنقطع». 

والتعليم لا يغني عن التربية، باعتقاد قاسم أمين، فلا يكفي أن تبقى المرأة بضع سنين في المدرسة، ثم تغادرها إلى المنزل للاحتجاب فيه بقية عمرها «بل يلزم أن تستمر في الاعتناء بجسمها وعقلها بعد المدرسة وشركها في حياتنا الطبيعية». 

ويذهب الكاتب إلى القول أن تربية المرأة هي الأداة لأن تقوم بدورها في المجتمع والعائلة. أما كيف يجب أن تكون هذه التربية، فالجواب أنها على أنواع عدة: التربية العقلية، والأدبية، والصحية، أما التربية العقلية فهي «عبارة عن تعلّم العلوم والفنون والغاية التي ترمي إليها هي أن يعرف الانسان ما في الكون من الموجودات وفيها نفسه حتى إذا عرف ذلك على حقيقته أمكنه أن يوجه أعماله إلى ما يعود عليه بالنفع ويتمتع بلذة المعرفة فيعيش سعيداً. 

ويعتقد أن تحصيل هذا النوع من التربية لا يمكن أن يتحصل بتعليم القراءة والكتابة واللغات الأجنبية للمرأة بل هي «تحتاج أيضاً لتعلم أصول العلوم الطبيعية والاجتماعية والتاريخية لكي تعرف القوانين الصحيحة التي ترجع إليها حركات الكائنات وأحوال الانسان كما أنها تحتاج لتعلم مبادئ قانون الصحة ووظائف الأعضاء، حتى يمكنها تربية أولادها». 

وفي كلامه على التربية الأدبية للمرأة يبدأ الكاتب من اعتقاد مفاده أن المرأة الصالحة هي أنفع لنوعها من الرجل الصالح والعكس صحيح، من هنا تبدو ضرورة التربية الأدبية للمرأة «لأن الطبيعة قد اختارتها وندبتها للمحافظة على آداب النوع، فسلمتها زمام الأخلاق وائتمنتها عليها فهي التي تصنع النفوس وهي ساذجة لا شكل لها فتصوغها في أشكال الأخلاق وتنشر تلك الأخلاق بين أولادها فينقلونها إلى مَن يتصل بهم فتصبح أخلاقاً للأمة بعد أن كانت أخلاقاً للعائلة». 

والمرأة، إلى ذلك كله تحتاج إلى تربية صحية وجسمانية لسببين، حماية المرأة نفسها من المرض، والحرص بالتالي على صحة أولادها ووقايتهم من العلل، «لأن ما يعرض على فرج الأم وما يكون فيه من الاستعداد للمرض ينتقل بالوراثة إلى الأولاد». 

كما يعتبر صاحب كتاب «المرأة الجديدة» أن النساء يجب أن يتساوين مع الرجال في التربية البدنية، فالمرأة «محتاجة إلى الصحة كالرجل فيجب أن تتعود على الرياضة كما تفعل النساء الغربيات، اللواتي تشاركن أقاربهم الرجال في أغلب الرياضات البدنية». 

حرية المرأة: يربط قاسم مين في سياق دعوته إلى حرية المرأة بين الرقي والحرية التي هي «قاعدة ترقي النوع الانساني ومعراجه إلى السعادة، ولذلك عدتها الأمم التي أدركت سرّ النجاح من أنفس حقوق الانسان». 

ولما كان للحرية أثرها في تقدم الرجال ونهضتهم، فلابدّ إلا ن يكون لها «ذلك الأثر في نفوس النساء». 

ويرمي قاسم أمين التهمة القائلة بأن حرية المرأة تضر بعفتها قائلاً: «أن التجارب المؤسسة على المشاهدات الصحيحة، تدل على أن حرية النساء تزيد في ملكاتهن الأدبية وتبعث فيهن إحساس الاحترام لأنفسهن وتحمل الرجال على احترامهن». 

وهو، لا يطالب دفعة واحدة بمنح المرأة حريتها، إنه يدعو إلى تمرينها على الحرية، وذلك أن «أول جيل تظهر فيه حرية المرأة تكثر الشكوى منها، ويظن الناس أن بلاء عظيماً قد حلّ بهم، لأن المرأة تكون في دور التمرين على الحرية، ثم مع مرور الزمن تتعود المرأة على استعمال حريتها وتشعر بواجباتها شيئاً فشيئاً وترتقي ملكاتها العقلية والأدبية، وكلما ظهر عيب في أخلاقها يداوى بالتربية حتى تصير إنساناً شاعراً بنفسه». 

الحق في العمل: ومن أبرز معالم حرية المرأة حقها في أن تعمل للحصول على قوتها، وأن «تشتغل بالأعمال التي تراها لازمة للقيام بمعاشها، وأن هذا الحق يستدعي الاعتراف لها بحق آخر وهو أن توجه تربيتها إلى الطرق التي تؤهلها إلى الانتفاع بجميع قواها وملكاتها وليس معنى ذلك إلزام كل امرأة، بالاشتغال بأعمال الرجال، وإنما معناه أنه يجب أن تهيأ كل امرأة للعمل عند مساس الحاجة إليه». 

ومن المبررات التي توجب اشتغال المرأة، من وجهة نظر الكاتب أن ثمة عدداً لا بأس به من النساء «لم يتزوجو عدداً آخر تزوج وانفصل بالطلاق أو بموت الزوج، ومن النساء مَن يكون لها زوج، ولكنها مضطرة إلى كسب عيشها، بسبب شدة فقره أو عجزه أو كسله عن العمل». 

ويرى قاسم أمين أن ثمة حرفتين بإمكان المرأة المصرية مباشرتهما، الأولى «صناعة تربية الأطفال وتعليمهم» وثانيهما «صناعة الطب». 

واجبات المرأة: وحق المرأة في العمل، هو من أول الواجبات تجاه نفسها، لكن للمرأة واجبات تجاه العائلة والمجتمع. 

وهو يرى أن أهم واجب على المرأة هو تربية الأولاد و «على الأم أن تعرف أفضل الطرق لتغذية الأطفال، لأن الانتظام في الجسم يرتبط دائماً بانتظام التغذية، وجودة الأنسجة، وخصوصاً النسيج المخي». 

ولا يقتصر دور المرأة في العائلة على تربية الأطفال، بل يتعداه إلى التأثير في عمل الرجل «فكم من إمرأة سهلت على زوجها وسائل النجاح في أعماله، وأعدت له أسباب الراحة والاطمئنان ليتفرغ لأشغاله، وكم من امرأة شاركت زوجها أو أخاها أو والدها في متاعبه، وكم من امرأة طيبت قلب الرجل وقوت عزيمته في حالة الياس والقنوط، وكم رجل طلب المجد ومعالي الأمور طمعاً في إرضاء محبوبته، فبلغ الغاية مما طلب». 

ثم يعرض لنظرة الأوروبيين إلى دور المرأة في المجتمع ليخلص إلى أن عمل المرأة «في الهيئة الاجتماعية هو تكوين أخلاق الأمة، تلك الأخلاق التي أثرها في الاجتماع، من حيث ارتقاء الأمم وانحطاطها، يفوق آثار الأنظمة والقوانين والديانات. 

المرأة والزواج: الزواج بنظر الكاتب في مجتمع ترزح فيه المرأة تحت عبء الجهل لا يكون «إلا شكلاً من الأشكال العديدة التي يستبد بها الرجل في المرأة». 

وما دامت المرأة قد أتيح لها العلم والتربية والحرية، فبات من حقها أن تنشد آمالاً من وراء الزواج ولا سيما أن الشريعة أعطت للنساء «حقوقاً لا نقص عن حقوق الرجل في الزواج، وجاء في القرآن الكريم: (ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف) سورة البقرة: 2/ 228». 

وعليه، يقرر قاسم أمين أن الزواج القائم على غير نظير، ودون اعتبار رأي المرأة في زوجها يصبح «طريقة يستعملها الرجل في الغالب للاستمتاع بعدد من النساء يدخلن في حيازته دفعة واحدة أو على التعاقب ولا تجد فيه المرأة مزية ترضي نفسها»، وينتقد الكاتب موضوع الطلاق، فهو نقيض للفكرة الأساس من الزواج، حيث أنه استمرار ومعاشرة إلى آخرة الحياة، ويراه هادماً لنظام العائلة، كيف لا، وهو أبغض الحلال عند الله. 

ويحمل على ما اعتاده الناس من سلوك ممارسة الطلاق، «فقد اعتاد أهل بلادنا استعماله بطريقة شائنة جداً لا يمكن أن يرضاها الشرع أو يسلم بها العقل، وأقبح شيء شائن في أخلاقنا هو اعتياد الأزواج على الحلف بالطلاق، كلما نوقشوا في شيء، حتى في ما لا علاقة له بالزوجية على الاطلاق». 

ويرى الكاتب أن تعدد الزوجات هو من العوائد القديمة، ويتوقف مدى انتشاره أو انحساره على تقدم الأمة أو تأخرها. ويعتبر أن في «تعدد الزوجات احتقاراً شديداً للمرأة». 

ولكن قاسم أمين يشير في موضع آخر من كتاباته إلى أن تعدد الزوجات في الاسلام «أقرّ ليضمن المأوى للمرأة والأبوة الأكيدة الدائمة للأبناء». 

الحجاب: يفرد قاسم أمين نما ينقص قليلاً عن ربع كتابه «تحرير المرأة» لمعالجة قضية الحجاب، وتقرير ما يراه هو من أنه المفهوم الشرعي الاسلامي لها، كما سبق له وتناوله في كتابه «المصريون» أو الرد على الدوق داركور، ثم تعرض له في كتابه المرأة الجديدة، يسارع الكاتب إلى رفع وهم ربما ظن حقيقة. فهو لا يزال يدافع عن «الحجاب واعتبره أصلاً من أصول الأدب التي يلزم التمسك بها، غير أني أطلب أن يكن منطبقاً على ما جاء في الشريعة الاسلامية». 

وبعد أن يوضح أن الحجاب ليس خاصاً بالمسلمين، فهو عادة كانت معروفة عند كل الأمم القديمة تقريباً، يعتبره «عنواناً» لذلك الملك القديم، وأثراً من آثار تلك الأخلاق المتوحشة التي عاشت بها الانسانية أجيالاً. 

ويتطرق إلى مساوئ الحجاب وضرره على المرأة، فهو يحرمها من حريتها الفطرية، ويمنعها من استكمال تربيتها، ويعوقها من كسب معاشها عند الضرورة ويحرم الزوجين من لذة الحياة العقلية والأدبية، ولا يأتي معه وجود أمهات قادرات على تربية أولادهن، وبه تكون الأمة كانسان أصيب بالشلل في أحد شقيه». 

ويتناول الكاتب قضية الحجاب من الوجهتين الدينية والاجتماعية، فمن الوجهة الأولى يقرر مسبقاً أنه لو كان في النصوص الدينية ما يتصل مباشرة بالحجاب لأحجم عن البحث «لأن الأوامر الإلهية يجب الإذعان لها بدون بحث ولا مناقشة». 

وما دام الأمر من قبيل العادة التي عرضت للمسلمين من مخاطبة بعض الأمم، لكنهم ألبسوها لباس الدين «كسائر العادات الضارة التي تمكنت في الناس باسم الدين، لذلك لا نرى مانعاً من البحث فيها». 

ويستشف الكاتب من الآية: (وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها) أن الشريعة أباحت للمرأة أن تظهر بعض أعضاء جسمها أمام الأجنبي عنها غير أنها لم تسم تلك المواضع». 

وينقل حديثاً للنبي قاله لواحد من الأنصار عندما أبلغ بأنه خطب امرأة، فيه قوله: «أنظرت إليها» أجابه: لا فقال الرسول: «أنظر إليها فإنه أحرى أن يؤوم بينكما». 

وبعد أن يجزم قاسم أمين بأن الله أباح للمرأة كشف وجهها وكفيها يناقش مسألة العفة فيقول: «وأما خوف الفتنة الذي نراه يطوف في كل سطر مما يكتب في هذه المسألة تقريبهاً فهو أمر يتعلق بقلوب الخائفين من الرجال وليس على النساء تقديره ولا هنّ مطالبات بمعرفته، وعلى مَن يخاف الفتنة من الرجال أن يغضّ بصره». 

ومن الوجهة الاجتماعية، يقرر قاسم أمين أن «الحجاب على ما ألفناه مانع عظيم يحول بين المرأة وارتقائها، وبذلك يحول بين الأمة وتقدمها». 

ليس هذا فحسب، بل إن الحجاب يحبس المرأة في دائرة ضيقة، «فلا ترى ولا تسمع ولا تعرف إلا ما يقع فيها من سفاسف الحوادث»، وفي ردّه على القول بأن الحجاب يصون شرف المرأة، يقول الكاتب أن الرجل إن لم يصل إلى امتلاك قلب امرأته لا يملك فيها شيئاً، «ذلك لأنه ليس في استطاعة رجل أن يراقب حركات امرأته وسيرها في كل دقيقة من الليل والنهار». 

بعد هذا العرض لواقع المرأة، وتقديم تصوره لاصلاحه ينتقل إلى موضوع آخر هو بناء المجتمع. 

ب – بناء المجتمع 

يلحّ قاسم أمين على بناء التكوين الاجتماعي على أسس العلوم والفكر الاجتماعي في الغرب، والملائمة بين احتياجات المجتمع وروح العصر. 

1 – إعادة بناء العادات: وهي معلم من معالم إعادة بناء المجتمع، وهو يبدأ هذه العملية الشاقة متسائلاً: «لم يعتقد المسلم أن عوائده لا تتغير ولا تتبدل؟ ولم يجر هذا الاعتقاد في عمله مع أنه هو وعوائده جزء من الكون الواقع تحت حكم التغيير والتبديل في كل آن؟. وما العادة يا ترى؟ إنها عبارة عن إصلاح لأمة على سلوك طريق خاصة في معيشتهم ومعاملاتهم حسبما يناسب الزمان والمكان». 

ويمضي الكاتب قدماً في تساؤله: إنها ما دامت «ثمرة من ثمرات العقل فما الذي يمنع أن تختلف العادات باختلاف عقل الانسان تبعاً للزمان والمكان؟ 

وبعد أن يفرق بين عادات الأمم الجاهلة والأمم المتمدنة يربط بين عادات الأمة وموقعها من المعارف والمدنية، ويخلص إلى أن تأثير العادة حيث انحطّ العقل يغلب على كل ما عداه في المجتمع، حتى أن العادات قد تتغلب على «الدين نفسه فتفسده وتمسخه بحيث ينكره كلّ مَن عرفه». 

ولا يرى قاسم أمين أي تأثير للدين على العادات، إذ لو «كان لدين ما سلطة وتأثير على العوائد لكانت المرأة المسلمة في مقدمة نساء الأرض». 

وهو في كلامه على التجربة الاسلامية بما هي مدنية وحضارة، ولم يتناولها على أساس الدين بل «من جهة العلوم والفنون والصنائع والآداب والعادات التي يكون مجموعها الحالة الاجتماعية التي اختصت بها، ذلك لأن عامل الدين لم يكن وحده المؤثر في وجود تلك الحالة الاجتماعية فهو على ما به من قوة السلطان على الأخلاق لم ينتج إلا أثراً مناسباً لدرجة عقول وآداب الأمم التي سبقت».

2 – العلم أداة الإصلاح: تستقيم دعوة قاسم أمين إلى إصلاح المجتمع ودفع الأمة في طريق التقدم على أسس وقواعد وضعية، في مقدمها العلم باعتباره الأداة الوحيدة التي «يرتفع بها شأن الإنسان من منازل الضعة والانحطاط إلى مراقي الكرامة والشرف». 

ويضيف إلى فكرته هذه قوله أن من غير الممكن مباشرة إصلاح ما يعانيه المجتمع المصري ما لم يكن «مؤسساً على العلوم العصرية الحديثة ذلك أنّ أحوال الانسان مهما اختلفت وسواء كانت مادية أو أدبية خاضعة لسلطة العلم». 

ثم إن تقرير ما يناسب الحياة العصرية لا يكون في ضوء ما خبره الناس في الماضي بل في ضوء ما يلائم الناس في لحظة معينة من وجودهم، فيترتب إذاً أن تفهم أن لنا مصالح، ولمن سبقنا مصالح، ولنا شؤون، ولهم شؤون، ولنا حاجات لم تكن لهم، وكانت لهم حاجات ليست لنا اليوم. 

إنّ السير في ركب التقدم، من وجهة نظر قاسم أمين، لا يكون في استعادة الحلول من الماضي، إنما بالاستفادة مما بلغه التمدن والحضارة على قاعدة تنشيط العقل والعزيمة. 

ويقدم أمثلة راهنة على ما يذهب إليه فتلك هي «الأمة اليابانية صارت تعدّ اليوم في صف الأمم المتمدنة بعد أن قهرت في بضعة أيام دولة الصين الجسيمة التي لم يقتلها إلا إعجابها بماضيها، أليس في ذلك عبرة لكل مبصر؟».

– تحليل ونقد 

في ضوء ما تقدم يمكننا إيجاز الملاحظات الآتية: 

1 – مما لا ريب فيه أن محور التفكير الاجتماعي عند قاسم أمين هو قضية تحرير المرأة بأبعادها العقلية والنفسية والاجتماعية، وذلك في ضوء اقتناع راسخ في ذهنه هو أن نشدان الأمة للتقدم والسير في ركب الحضارة لا سبيل لها في أن تظفر بهما ما لم يكن المجتمع المصري بكامل عناصره كتلة حيّة فاعلة، وهذا يعني إخراج المرأة من دائرة الجهل والاستعباد واللاعمل إلى دائرة العلم والحرية والإنتاج. 

ولئن بدا الكاتب في أول أمره يقيم حساباً لكل كلمة يكتبها حول قضية المرأة، نظراً إلى أن هذا الموضوع الشائك يصطدم على نحو مباشر بما تعارف عليه الناس منذ سنين طويلة، فإن كتابيه «تحرير المرأة» و «المرأة الجديدة» إنطويا على رغبة أكيدة في السير قدماً في مشروعه الإصلاحي إلى النهاية، محاولاً إجتناب ما يسيء إلى أصل من أصول الدين مدعماً أفكاره على ركيزتين متينتين الشرع والعقل، والأول في خدمة الثاني، وليس العكس. 

وهو، إذ يحذو حذو الأستاذ الإمام محمد عبده في مقاربة قضايا العصر من وجهة نظر إسلامية تنطلق من أن روح الاسلام مطابقة لروح كل العصور، وإن ما أصاب المسلمين من إنحطاط لا يعود سببه إلى دينهم، بل إلى الجهل الذي أصابهم، سرعان ما يذهب إلى اعتبار أن الدين ـ أي دين ـ هو عامل من العوامل المؤثرة في المجتمع، وليس العامل الحاسم، وإن تقدم المجتمعات ونموّ الحضارة ينهضان على أسس العلم والاكتشافات العلمية التي غيرت من نمط حياة الانسان المعاصر، وحررت تفكيره من الأوهام والخيالات. 

أضف إلى ذلك أن الدعوة الجريئة التي يقودها قاسم أمين لتحرير المرأة تستقيم على وجوب أن يعتمد الانسان على «العقل العملي» البعيد عن الظنون الخاطئة لبلوغ السعادة. 

2 – على أن السؤال المنطقي الذي يفرض نفسه هنا: ما علاقة ما تقدم بفكرة العلمانية ما دام الكاتب يحاذر فصل دعوته إلى تحرير المرأة وتصويب نمط العادات، عن الدين، بل يعمد إلى دعم ما يذهب إليه بآيات وأحاديث نبوية؟ 

للوهلة الأولى، يبدو أن لا صلة لفكر قاسم أمين بالعلمانية، إلا أن نظرة متنية لما تنطوي عليه آراء هذا المصلح تمكّن من استشفاف الصلة التي تربط بين هذه الآراء والفكر العلماني، ذلك أنه إذا تقرر أن العلمانية نزعة إلى تدبر أمر العالم وما يعرض للانسان من أحوال وأوضاع بمعزل عن القوى الإلهية الموجدة لهذا العالم، فإن نظرة قاسم أمين، وإن لم تتحرر تماماً من الجو الديني، ولم تشأ الخروج عليه، فإنها بما هي نظرة وضعية تستلهم الواقع وتسعى للتأثير فيه تنتهي إلى صميم المبدأ العلماني. 

3 – ليست العلمانية بحد ذاتها هدفاً لقاسم أمين، وهو لا يدعو إلى العلمانية، لا يقدمها كطرح، أيديولوجي، يحشد الأدلة والبراهين لإثباته وتوكيده، هو لا يقول أن العلمانية ظهرت في أوروبا وكانت سبباً في تقدمها وحلاً لكثير من مشكلاتها، فيجب بالتالي، إذا شئنا التقدم أن نأخذ بها ونحذو حذو الغرب في هذا المجال، إنما يقول أن لتقدم المجتمع شروطاً، في مقدمها تحرير المرأة وتعليمها ومنحها حقوقها وتقدير ما لها وما عليها. وهذا يمكن استلهامه من الغرب الذي حرر المرة وأتاح لها الفرصة لتأخذ مكانتها في المجتمع، ولا ضير علينا نحن المسلمين، إن فعلنا فعل الغرب، فالحاجة إلى التقدم تفرض هذا الأمر، وهو لا يخالف الدين، في حال من الأحوال، بل يوافقه أشدّ موافقة، والغرب في ما أعطاه للمرأة من حقوق وواجبات استلهم مبادئ العلمانية. 

4 -يفحص قاسم أمين موقف الاسلام مما هو حاصل للمرأة، مقرراً أن الاسلام براء مما تتخبط فيه المرأة من ظلم وتخلف، موضحاً أن ما هو سائد لا ينطبق على ما جاء في الشريعة، لا بل مخالف لها، وبالتالي فإن إصلاحه لا يضير الدين في شيء. 

صحيح أن الكاتب حاذر في تناول مسائل بحثه في قضية المرأة ما فيه نصاً دينياً صريحاً لا يحتاج إلى تفسير أو تأويل، هكذا وجدناه عندما تطرق إلى موضوع الحجاب، لكن دعوته إلى تعليم المرأة وتربيتها وإعطائها الحق في العمل والزواج وتغيير النظرة بصورة كلية إليها لم تكن مستوحاة من تعاليم الشرع، بل نجد أساسها قائماً على ما يقتضيه العقل والمدنية المعاصرة المتمثلة بأرقى حلقاتها أوروبا وأميركا، والمبنية على العلم الذي وظّف وفق احتياجات الانسان ومصالحه. 

إن التقدم، هو ما يعلنه صراحة صاحب كتاب «المرأة الجديدة»، والاسلام هو شريعة المسلمين لا يعيق بلوغ هذا الهدف، أن الكاتب لا يسعى بوجه من الأوجه إلى تجديد الاسلام، إن دعوته فكرة وضعية تسعى إلى إثبات ذاتها على الأرض. بدون أن ترفضها البيئة التي هي بيئة الاسلام وتعاليمه، لقد أدرك مفكرنا هذه الحقيقة كسواه من المفكرين، وانبرى يدعو إلى قضيته غير آبه بالمصاعب، يرد الحجة بالحجة، ويستشهد بنص ديني من هنا وآخر من هناك على توكيد شرعية ما يذهب إليه، يساعده على ذلك ثقافة الفقيه وخبرة القاضي ورجل القانون. 

5 – لم تكن دعوته إلى تحرير المرأة ضرباً من ضروب الكتابة الخيالية، إنما استقامت على قاعدة موضوعية، ومثلت استجابة طبيعية لوجوب رفع الجور عن النساء، بوصفهن النصف الثاني للمجتمع في مرحلة بدأ فيه المجتمع المصري ينعتق أكثر فأكثر من ربقة الاستعباد ومخلفات القرون الوسطى وعصور الظلامة. 

إن الدعوة إلى تحرير المرأة من الجهل والحجاب، وتمكينها من أن تكون قوة فعالة وأداة نافعة في المجتمع كانت تتصل بالدعوة إلى الحرية وتخليص التفكير الاجتماعي من سلطان رجال الدين الذين يعتبرون التقاليد والأوهام التي ورثناها عن أسلافنا جزءاً من الدين. 

6 – حاول صاحب كتاب «تحرير المرأة» أن يعالج موضوعه بوضوح علمي، وأن يفصل بين الأسباب الوهمية والحقيقية لانحطاط مصر والأمة الإسلامية، فعنده أن الاسلام نفسه لم يكن مسؤولاً عن الانحطاط، بدليل أن الأمة الإسلامية عرفت عصوراً طويلة من الازدهار في الماضي، أما السبب الحقيقي فهو في الجهل العام المتفشي في الشعوب الإسلامية، يضاف إلى ذلك أن الدين الإسلامي ـ حسب اعتقاده ـ قد تحول اليوم ـ «عن أصوله الأولى، وأن العلماء والفقهاء، إلا قليلاً ممن أنار الله قلوبهم ـ قد لعبوا به كما شاءت أهواؤهم حين صيره سخرية وهزؤاً».

7 – كان قاسم أمين في بدء حركته، أبدى بعض التحفظ تجاه تحرير المرأة بالكامل، موصياً لها أن تحافظ على الشريعة والاسلام، فلا تبتعد عن مبادئها العامة، لكنه ما لبث أن تخطى هذا التحفظ، ودعا إلى تحرير المرأة على وجه أتم، لترتفع إلى مسؤوليات الحرية الصحيحة في مدنية اجتماعية، تقدس حق المرأة بالاستقلال في الفكر والارادة والعمل تماماً كالرجل. 

8 -ولئن كان انتقد ظواهر مثل الاجهاض «التي تبلغ في فرنسا آلاف الحالات في كل عام»، وذكر بأن المسيحية قد تسامحت في روما خلال فترة طويلة «مع تعدد الزوجات، حتى أن قساوسة قد تجاوزوا عنه ومارسوه، كما أن عدداً من الملوك الفرنجة جمعوا بين عدة زوجات»، فإنه سرعان ما يدعو في كتابه «المرأة الجديدة» إلى التمثل بالمدى التي بلغته المرأة الأوروبية بعلاقتها بالرجل، حيث نتلمس أن الكاتب لا يخفي إعجابه وتقديره لما آل إليه وضع المرأة الأوروبية، فقد «وصل احترام الرجل الغربي لحرية المرأة إلى حد أن الأب يحجر على نفسه فتح الخطابات التي تصل لبنته، وكذلك الزوج رأى الأجدر به أن لا يفتح الخطاب الذي يصل إلى امرأته»، ويقدم الكاتب مثلاً آخر على حرية المرأة الغربية «ولها أصحاب غير أصحاب الزوج، ورأي غير رأي الزوج، وأن تنتمي إلى حزب غير حزب الزوج، وأن الرجل في كل ذلك يرى أن زوجته لها الحق في أن تميل إلى ما يوافق ذوقها وعقلها وإحساسها».

– نتيجة الفصل 

إلام نخلص مما تقدم؟ بمعنى آخر كيف يظهر الاتجاه العلماني عند قاسم أمين؟ وهل جاء طرحه أصيلاً أم تغريبياً؟ 

في الجواب على الشق الأول من هذه التساؤلات، توصلنا إلى أن الاتجاه العلماني واضح وجليّ عند الكاتب، ذلك أن مبادئ التشريع الوضعي المستندة إلى العقل والعلم هي ركائز بنيان التقدم الذي دعا إليه، والمتمثل بتحرير المرأة وإصلاح ما هي عليه لإصلاح الأمة. 

من هنا، وإن لم يظهر قاسم أمين وكأنه يريد أن يرمي الدين جانباً، فالثابت أنه اتجه إلى علمنة المجتمع، مكرساً نمطاً جديداً من التفكير: فحواه الحكم على الأشياء في ضوء المبادئ الوضعية. 

وفي الإجابة عن الشق الثاني من التساؤلات، أي الحكم على الطرح لجهة أصالته أو تغريبه، يتبين من النظر الموضوعي أن الأصالة لا تبدو خالصة عند الكاتب، فهو لا يعود إلى الأصول الإسلامية يستخرج منها حلولاً لقضية تخلف المرأة، إنه يوظف هذه الأصول من آيات وأحاديث وتاريخ لنصرة ما يذهب إليه، مقدماً طرحاً جديداً تمثل في طريقة المعالجة، وفي المخارج التي أوجدها كي يكتب لدعوته أن ترى طريقها إلى حيّز التنفيذ، ومحاولاً في الوقت عينه ألا يخرج في هذا الطرح عن هوية المجتمع وشخصيته التي يشكل الاسلام أحد أبرز مكوناتها، لم يتنكر قاسم أمين لتاريخ الآباء والأجداد وعاداتهم، بل انتقد ما في هذا التاريخ والعادات من الشوائب، داعياً إلى التخلص منها، واستلهام ما بلغه الغرب في هذا المضمار. 

إن الدعوة للاقتباس عن الغرب لا تحمل في طياتها إقراراً بالدونية، بل إقتناعاً لا مِراء فيه بتفوق الغرب وتقدمه في ما بلغته المرأة من شأن. 

إن الأصالة والتغريب يلتقيان عند قاسم أمين في إتجاهه العلماني، إزاء قضية تقدم المرأة والأمة على حد سواء عند نقطة الجمع بين الأخذ عن الغرب مع مراعاة أصول الاسلام كما وردت في القرآن والسنة على قاعدة إعادة النظر في تراث السلف لمصلحة مجاراة روح العصر وضرورة الأخذ بناصية التقدم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى