خواطر

توقف بالخطأ في محطة سوق الشغل

 

لم أكن لأظن يوما أن لهفتي و إصراري على إتمام دراستي في أسرع وقت والإلتحاق بسوق الشغل كانت فكرة مغلوطة من كل الجوانب، كان شغلي الشاغل حينها أن تمر سنوات الدراسة في أسرع وقت و بت أحلم لحظة استلامي شهادة التخرج كأنني سأخرج من باب الجامعة و أتسلق سلم النجاح بكل سلاسة.
وطبقا للقاعدة التي تقول بأن كل فكرة تجولت مخيلتنا و رسمناها هناك ستكون واقعا يوما ما، هذا ما حدث، دخلت سوق الشغل فوجدت بأنه مكان لم تطأ قدماي مثله من قبل، كأنه سوق كبير منعزل كل الإنعزال عن العالم الخارجي، لا هواء خريف فيه ولا قطرات مطر، لا غيوم بيضاء كما اعتدتها و لا سماء صافية، كانت سماءه تميل للسواد القاتم و كان الجو هناك يجعلك تشعر بالحر في جسمك بينما قلبك كقلب بائعة الكبريت التي توفيت من شدة البرد.. حتى الزمان فيه متوقف فلا يوم طويل لتعلم دروس جديدة ولا ليل عريض لحل بعض المعادلات أو أخذ جرعة كلمات من كتاب ما، وكأننا نحضر نفس الفلم في نفس قاعة السينما كل يوم من شدة الرتابة.
خصص يومان في الأسبوع فقط لمغادرة هذا السوق و الإلتحاق بسيرورة الزمن العادي لكنه وقت قصير جدا للاستمتاع به، يمضي الوقت بسرعة كأنك تتعرف الفصول و الهواء و نسمات الريح للمرة الأولى، فتقف شاردا أمام جمال العالم الخارجي لتقف أمامك مركبة عبور الزمن من جديد و تعيدك دون طلب الإذن إلى المكان الذي لا ترغب لكنك مضطر للرجوع لأنه كان اختيارك في بداية الأمر وكان حلما مجهولا دخلته فأمسك بك بكل ما أوتي من قوة.
استنزفت سنة من ربيع عمري وسط عجلة الهامستر داخل ذلك السوق المظلم وكانت كل دقيقة فيها حسرة على أيام الدراسة، و انتحابا على تفكير مغلوط أخذته ممن حولي و خضت تجربته، لأستأنف من جديد أعوام المتعة بكل معانيها، لأركب القطار الذي كان هبوطي منه مجرد كبسة زر خاطئة، ولأعود من جديد لاستنشاق رائحة صفحات الكتب التي تفتح شهيتي للحب و الأمل و تعطي روحي مشعلا لاستعماله للسير وسط ساعات قليلة من العمل.

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق