تجديد الخطاب الديني

رؤية جديدة لتجديد الخطاب الدينى”1″,


الْخطاب” كما فى المعجم الوسيط: هو ” الْكَلَام “، هكذا وبكل يُسر، والخطاب الدينى لا يقتصر على ما يطرحه العلماء فى برامجهم وكتبهم ومحاضراتهم، بل يشمل كل كلام الناس المرتبط بالدين فى الأماكن العامة والخاصة، والتجديد معناه: إزالة ما لُصق به من ازدراء وتنفير، أو تغيير الفتاوى القديمة الصادرة فى زمن قديم وفى ظروف معينة، ورافضى التجديد يظنونه أنه مؤامرة لتحريف الدين، ومنهم من يُصر على فهم معنى التجديد بأنه تطبيق شرع الله من تطبيق الفروض الغائبة والمنسية من وجهة نظره كالجزية والجهاد وتطبيق الحدود…ـ، أو إزالة ما لحق به من آراء فى العقيدة مخالفة لفكرهم كالاعتقاد فى أسماء الله وصفاته أو التوسل بالصالحين !

وانطلاقاً منى بضرورة تعاون الجميع فى الارتقاء بالخطاب الدينى أُقدّم رؤية جديدة من واقع عملى كــ ” مدرب تنمية بشرية معتمد ” تقوم على استخدام أحدث وسائل الحوار والإقناع والتواصل الجيد والفعّال آخذة فى الاعتبار عدم فصل النقل عن العقل، بل احترام وتقدير كل منهما والجمع بينهما، وهو الأمر الذى لا مفر منه مطلقا لنجاح أى تجديد مطلوب، وهذا أساس أى طرق أخرى للتجديد كتعديل المناهج، أو التخفف من نصوص العذاب والإنذار، أو التركيز على سماحة ويُسر الدين، أوالاهتمام بالأئمة، فرؤيتى الأسياسية هى فهم طبيعة الشخص المراد تغيير تفكيره جيدا، والمطلوب منه أن يُعطينا خطاب جديد سمح، ومن ثم استخدام الطريقة الأرجى لإقناعه بها، وهى تعتمد على النقل والنصوص الدينية بنظرة معتدلة ومنضبطة، وهذا ما سلكته فى هذا المقال، فقد استعنت بأدلة شرعية لإقناع رافضى التجديد، وهذه الأدلة مقتبسة من 9 كتب لى مصرحة من الأزهر على مدار 20 سنة وقد جَمعَت بفضل الله أغلب ما ننشده من تجديد سالكاً بذلك الضوابط والطرق المنضبطة فى التجديد، فإن نجحت فهنيئاً لنا جميعا، وإن قصّرت فى ذلك فلم أقصد إلا الخير. ويجب مراعاة الضوابط شرعية فى تفسير القرآن وأهمها الاحتياط فى قبول ما صح فقط فى التفسير وأسباب النزول لتضييق الآراء المختلفة والواردة فى التفسير ضمانا من التوسع فى الدخول فى مفاهيم خاطئة مسيئة لصحيح الدين ( ولا أعنى التطرق لأحاديث الصحيحين، بل فى خارجهما ما هو متفق على ضعفه وفيه مخالفات واضحة ) ومن أمثلتها: ما جاء فى تفسير قوله عز وجل ﴿ الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ﴾ سورة النور (26).

فعن عَبْد الرَّحْمَن بْن زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ قال: ” الْخَبِيثَاتُ مِنَ النِّسَاءِ لِلْخَبِيثِينِ مِنَ الرِّجَالِ، وَالْخِبِيثُونَ مِنَ الرِّجَالِ لِلْخَبِيثَاتِ مِنَ النِّسَاءِ، وَالطَّيِّبَاتُ مِنَ النِّسَاءِ لِلطَّيِّبِينَ مِنَ الرِّجَالِ، وَالطَّيِّبُونَ مِنَ الرِّجَالِ لِلطَّيِّبَاتِ مِنَ النِّسَاءِ”.
قلت: وهذا من التفاسير الشائعة والخاطئة والمنافية للواقع، فكم من رجل طيب تزوج بامرأة خبيثة والعكس.

وهذا الأثر لم يصح، وصح بمعنى آخر، فقال جماعة من الثقات ومنهم ابْن عَبَّاسٍ: ” الْخَبِيثَاتُ مِنَ الْقَوْلِ لِلْخَبِيثِينِ مِنَ الرِّجَالِ، وَالْخَبِيثُونَ مِنَ الرِّجَالِ لِلْخَبِيثَاتِ مِنَ الْقَوْلِ. وَالطَّيِّبَاتُ مِنَ الْقَوْلِ، لِلطَّيِّبِينَ مِنَ الرِّجَالِ، وَالطَّيِّبُونَ مِنَ الرِّجَالِ لِلطَّيِّبَاتِ مِنَ الْقَوْلِ. قَالَ: وَنَزَلَتْ فِى عَائِشَةَ وَأَهْلِ الْإِفْكِ”.

والخلاصة: من متطلبات تجديد الخطاب الدينى وجوب ترك ما لم يثبت من تفسيرات خاطئة فى اللغة والقرآن، ولا يكون ذلك أخذاً بالحديث المشهور “خذ من القران ما شئت لما شئت” وهو حديث مشتهر على بعض الألسنة ولكنه -مع الأسف الشديد – من تلك الأحاديث التى لا أصل لها فى السنة، ولذلك فلا يجوز روايته ونسبته إلى النبى صلى الله عليه وسلم، ولا تطبيقه بشكل مخالف، لأنه يفتح المجال لاستخدام آيات فى غير موضعها تدعو للقتال والتكفير!

وبكل صدق أقول: يوجد فى التراث ما هو كفيل بتقديم صورة صحيحة للدين، ففيه نجد تفسيرات للصحابة والسلف تمنع التكفير المطلق وغير المنضبط، بعكس بعض المعاصرين من أساء فهم القرآن وفسره برأيه، ويجب على الراغبين فى التجديد أن يعلموا أن تصفية وغربلة الأقوال الضعيفة لا يمحى ولا يتعارض مع فضائل الصالحين والأولياء ففى التراث الثابت ما يكفى ويؤدى الغرض لهذا الشأن، وفى نهاية الأمر لا تشديد على الفضائل، بل التشديد على الحلال والحرام، وكذلك التشديد على أحاديث تحض على الازدراء، وتكفير المخالف سياسياً ودينيا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق