جمع المؤنث السالم

صورة المرأة في الإعلام العربي

ختام محمود محمد

من الصحيح بايولوجياً القول إن المرأة أنثى ولكن لماذا تتحول هذه الحقيقة البايولوجية المحايدة إلى عامل حاسم ومحدد لشرط المرأة الإنساني والاجتماعي. وإلى أي حد يصح القول (إن المرأة اقرب إلى- الطبيعة منها إلى الثقافة وأن كيانها يتحدد بجسدها أي بوجودها البيولوجي وما يترتب عليه) وذلك رغم أن الدراسات تؤكد أن البايولوجيا قد تقيد سلوك الجنس (في مرحلة حضارية ما) ولكنها لا تحدده، وأن الاختلافات بين البشر من ذكور وإناث تعكس تفاعلات بين تركيبنا الجسدي ونماذج حياتنا الاجتماعية، لقد تم تفصيل (الشخصية الأنثوية) على مقاس دور المرأة المنزلي في المجتمع الأبوي، وإن البايولوجيا بالنسبة للإنسان لا تصبح هامة إلا عندما يتم تفسيرها طبقاً لمعايير وتوقعات الثقافة السائدة، فالبيولوجيون يمكن أن يخبرونا مثلاً أن الرجل بشكل عام أقوى من المرأة، ولكنهم يعجزون عن إخبارنا عن السبب الذي يجعل من قوة الرجل ونشاطاته موضعاً للتقدير من قبل الناس في جميع الثقافات.

أليس لافتاً أن المرأة معتبرة، إلى درجة ما، أقل شأناً في كل ثقافة معروفة وقبل أن تكون المرأة أنثى هي إنسان وبالتالي فإن المرأة كائن إنساني وليس مجرد أنثى وهذا الكائن الإنسان لا يقع خارج التاريخ ولا خارج المجتمع ولا يتشكل أيضاً خارجهما بيولوجياً، المرأة أنثى ولكنها قبل ذلك ومعه هي إنسان محكوم بشرطه الاجتماعي والتاريخي الأمر الذي ينفي أو يضع موضع تساؤل على الأقل مقولة أن قضية المرأة خاصة جداً ومستقلة جداً وبالتالي أفقها مفتوح للتشخيص والفهم والاستيعاب، والخلل الذي ترسخ في المجتمع لصالح المرأة في عصر (الأمومة) تبدل ليصبح لصالح الرجل في عصر (العائلة الأبوية) ليزداد رسوخاً في الأحقاب الزمنية التالية، وهذا ما يؤكد أن هذا الخلل لا يعود إلى النصوص المتعلقة بالمرأة في الكتب السماوية، وأن رحلة قهر المرأة تعود بجذورها إلى أعماق التاريخ السحيقة حتى في تاريخ حضارات منطقتنا القديمة يمكن الاستدعاء إلى الذاكرة موقف حمورابي المتمثل في تشريعاته ضد المرأة.

وهذا ما يفسر أن تكون قضية المرأة واحدة من القضايا الأشد بروزاً والأكثر تقدماً على جدول أعمال مشروع النهضة العربية منذ منتصف القرن التاسع عشر وأن تكون واحدة من المحاور الرئيسة لخطاب التنوير العربي الذي يشكل الإطلاع على الغرب (الأوروبي أساساً)، والأخذ عنه (والعمل على تبيئة ما يؤخذ وربما الاقتصار على النقل والتقليد أحياناً) واحدة من سماته الأساسية.

ولم تستطع الحركات النسائية العربية أن تحافظ على زخم انطلاقتها الأولى لأنها (كما يرى البعض) كانت تضع المرأة في مواجهة الرجل وتقسم المجتمع بشكل جنسي، مغيبة أو متجاهلة الاستغلال والقمع الواقعين على المستغلين والمقموعين بغض النظر عن الجنس فهما يطالان الاثنين معاً، ويصل أصحاب هذا الرأي إلى التأكيد أن خطأ الحركات النسوية في تحديد الخصم جعلها تعجز عن تحقيق النهوض الذي تدعيه وترى أخريات أن صورة هذه التنظيمات النسوية هي صورة عن مأزق المجتمعات الغربية.

ولعل أبرز الصور التي يقدمها الإعلام العربي للمرأة العربية تتجسد في صورتها في الصحافة النسائية حيث قامت إحدى الدراسات على تحليل (86) قصة قصيرة نشرتها مجلة حواء في عامي 1976 – 1977 وتوصلت إلى النتائج الآتية:

1- تقدم هذه القصص المرأة بشكل سلبي (فهي دائماً بحاجة إلى عون وغالباً ما تتوقع هذا العون من الرجل وهي ضعيفة القدرة على اتخاذ القرار وتفتقر إلى المبادرة وغالباً ما يكون مصيرها الفشل في المواقف الصعبة).

2- خروج المرأة إلى العمل نتج عن عوز اقتصادي أو عن فشل في الحياة الأسرية ولم ينشأ عن إحساس بأهمية العمل أو ضرورته.

3- تبرز هذه القصص الشخصية الإيجابية والمستقلة والبناءة للمرأة ولكنها تظهرها في مواقف تدافع فيها المرأة عن قضايا تخصها وفي مواقف تتعلق بها شخصياً (اختيار شريك حياتها مثلاً)، ونادراً ما تصور هذه القصص المرأة العصرية التي تدافع عن قضايا أو مواقف عامة بل فقط عن مواقف شخصية وعن أمور عاطفية.

4- تظهر القصص الطبيعة الذاتية للمرأة والأوضاع الغيرية التي تظهر فيها تكون فيها غيرية إزاء من تحب وليس إزاء قضايا عامة (2).

وكان استخدام الإعلان للمرأة كونه أداة جذب وطعما للتشجيع على الاستهلاك فتظهر فيه مخلوقا ساذجا لا هم له إلا الأكل والشرب والتجميل، فالمرأة تستخدم للإعلان عن السلع لجذب الرجل والمرأة على السواء، فالإعلان يدعوها إلى أن تجعل نفسها في دور المرأة التي حصلت على أعلى أمنية بشراء السلعة، أما الرجل فيغريه الإعلان بالحصول على المرأة الجميلة التي تعرض السلعة، كجائزة لشراء هذه السلعة وحتى الإعلانات التي تصور المرأة في مواقع العمل تصورها على أنها أنثى الرجل وتجذبه، إن استخدام المرأة على هذا النحو في الإعلانات يقلل من نظرة الاحترام إليها في نفس الرجل وفي نفسها هي، حيث يرسخ الإعلان قيمة المرأة ليس بما تملك وبما تنتج بل بما تستهلك وغدت السلعة التي تستهلكها هي مصدر الحب والنجاح والتطور، ظناً منها أنها بشرائها السلعة تشتري الاحترام الاجتماعي والصحة والجمال وتتمكن بفضلها من تصحيح الأخطاء والنواقص في شخصها، لأن المعلنين باعتمادهم الأساليب النفسية كافة نجحوا في تحويل الفكر النقدي للمستهلك نحو ذاته وليس نحو السلعة.

صورة المرأة في الصحافة المكتوبة والإذاعية

لا يمكن الفصل بين صورة المرأة كما تعكسها الصحف والمجلات الدورية وبين الخلفية الاجتماعية والمتغيرات الاقتصادية والسياسية التي يتعرض لها مجتمع ما، وفي حالة العالم العربي لا يمكن تقصي صورة المرأة العربية في المنشورات الصحفية والإعلامية الدورية بغير تركيز على حالة مصر ذلك أن الصحافة المصرية، وقد شاركت في إنشائها ونهضتها وتطويرها عناصر من مصر ومن بلدان أخرى في المنطقة المحيطة بها وخاصة من سوريا ولبنان تشكل طليعة للعمل الصحفي في المنطقة بأسرها (3).

ومن خلال دراسة حول الصور الراهنة التي تعكسها الصحافة للمرأة واهتماماتها فكانت نتائجها هي:

1- تحتل موضوعات الأزياء والموضة موقعاً رئيساً من الأبواب النسائية في الصحف، ويأتي ذلك على حساب المرأة ربة البيت والمرأة المنتجة وهو وضع يتوجه أساساً إلى المرأة من الطبقة الوسطى في المدن الكبرى وعلى حساب المرأة الريفية فضلاً عن نساء الطبقات الفقيرة.

2- يلي ذلك اهتمام كبير ومساحات واسعة تخصص لموضوعات التجميل وفنون المكياج التي تصل إلى موضوعات معقدة طبياً وباهضة التكلفة.

3- الاهتمام بتفسير الأحلام وقراءة الطوالع والحظ والحوار مع نجوم وكواكب السينما والمجتمع والاهتمام بالمرأة السوبر حضرية على حساب نساء الطبقات الشعبية، أما نساء الريف فلا وجود لهن في هذه الصحافة إلا من خلال جريمة قتل نسائية ثم حديث عن أزمة الشغالات في مصر.

كذلك أجريت دراسة على عينات من النساء المصريات المستمعات إلى أقدم وأشهر برنامج للمرأة في تاريخ الإذاعات العربية وهو برنامج (إلى ربات البيوت) وخرجت بنتائج وهي، أن مفهوم الذات عند المرأة يغلب عليه الجانب السلبي الذي يتشكل بدوره ضمن صور غالبة ثلاث:

أولها صورة المرأة التي تفتقر إلى العقلية العلمية من ثم القدرة على التخطيط إضافة إلى ضيق الأفق والتردد حيث يقوم الرجل من جانب آخر بدور الحكم أو الضمير.

أما البعد الثاني لصورة الذات السلبية فيتمثل في افتقار المرأة إلى هوية مستقلة حيث تصورها المقدمة ضمن برنامج (إلى ربات البيوت) هي جزء من بيت الزوجية لا يكتمل دورها إلا بالإنجاب، وهي تسقط فريسة للضعف إن لم يكن الضياع إذا خسرت الرجل، ويستبد بها وبمعنى آخر تستمد ذاتها من ذات الرجل، على أنه ينبغي التنبه في هذه البحوث إلى حقيقة أن وسائل الإعلام الجماهيرية في العالم وربما في العالم الثالث بصفة خاصة تخضع لسيطرة أجهزة الدولة، بمعنى أنها تخضع لنوع من الرقابة الفعلية أو الضمنية، وأنها قد لا تكون معبرة عفوياً أو بالضرورة عن الصورة الحقيقية للمرأة في أرض الواقع المعاش، وعلى الأقل ينبغي وضع نقطة ملكية الوسيلة الإعلامية وأسلوب إدارتها والقواعد التي تحكم أداءها موضع الاعتبار لدى تقييم أية محصلة تخرج عنها، كذلك لا يمكن رؤية صورة المرأة كما تعرضها وسائل الإعلام بمعزل عن التيارات الفوقية والتحتية التي تؤثر في بنية المجتمع والى التجديد، وهناك رأي يقول بأنه قد آن لأجهزة الإعلام الجماهيرية أن تصرف النظر عن البرامج المخصصة للمرأة وكأنها فئة خاصة من فئات المجتمع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى