خواطر

غربة الذات

تعيش الذات حالة اغتراب مجتمعيا ، وهذا ما يجعلها تخوض تجارب للخروج من قصورها ، لكن تلك الولادة مؤلمة جدا ، ففي  بعدنا  كل البعد عن تأويلات وظنون  حيادية عن كل الاديولوجيات ، هناك حقيقتان صارختان ، يصعب تقبلهما و إعلانهما  أصعب  : أولا : الحقيقة الوحيدة / البديهية / الواضحة بذاتها هي :” أن  الأنا داخل صيرورة متناقضة ” ، شبيهة بمتاهة لافتة للأنظار ، كل شيء غامض / جارف / متغير / في حركة دائمة ، لكن هناك نظاما يسري في عمقها ، بمعقولية ثابتة لا يمكن إنكارها أو تغييبها ، لأنها بمثابة أساس و ركيزة داخل المنظومة الكونية . ثانيا :” هم يزجون بنا داخل جدران وقضبان من حديد، ويغردون بصوت عال خارجها لحريتنا” ، كطائر في قفص ذهبي لامع ، يفتحون له بابه الصغير و يقفون أمامه كأصنام من فولاذ  . لكي أمشي على الأرض حافية القدمين ،  بثياب بسيطة ، شاحبة اللون ، مستشعرة الحياة السقراطية ، لا على سحابة أفلاطون المثالية ،  فأناي طائر مملوك  يريد التحليق ، لكنه بين أيدي حاملي مقص يقصون أجنحته ، فيقولون له بسخرية : ألا تحب التحليق مع الطيور؟ّ ! فتقف الذات تائهة مغتربة على تراب يضمنا جميعا .

الغربة الحقيقية أن تنادي بما تحلمه الطبيعة السليمة /الخيرة / المحبة / الجميلة ، إنها طبيعة الأقلية ذوي النفوس الحائرة ، التي تندهش / تحس / تتذوق / فتنعزل في كهف الوحدة و معاشرة الحروف و الأقلام ، تبكي و تضحك في صمت ، صوتها خشبي عندما يصدع ، بركان بعد خمود ، زلزال بعد سكون ، حياة بعد موت و انبثاق من عدم … ، لست أنا العالم و لا العالم أنا ، ولكن طبيعة الأفكار تتجادل فيما بيننا باحثة عن الانسجام ، كي نتعايش في أمن و سلام لا حرب ولا دمار ؛ هنا لا استغلال و لا تعال و إنما محايثة ومجاورة بين الذات و الوجود . ربما سأبدو كمجنون يصرخ بأعلى صوته ، فيمر العديد بجواره ، هناك من يدعو له بالشفاء و منهم من يضحك ويسخر من حديثه ، إلا أنه أصدقهم ، لكنهم لا يعلمون ، إنه يحلق خارج السرب و بعيدا عنهم ، ورغم امتلاكه جسما يشبههم إلا أنه بروحه الجوهرية المتفردة مستقل .

سأخطو خطوات الزواحف خاصة  السلاحف ، علما أنني لا  أتسابق لا مع آخيل أو غيره ، إنني أنظر إلى ذاتي ، تتوسطنا مرآة عادلة ، تصدر أحكاما بين الماضي و الحاضر واستشرافا لغد آت . فأنا لا أدعو إلى التفرقة ، لكن أومن بحياة واحدة أعيشها بأفكاري و لو كانت جنونية مستحيلة ، على الطاعة و الولاء لأفكار الغير،  التي تترجم تجاربهم / قراءتهم / ظروفهم الخاصة ، فهي لا تناسبني بتاتا ،  لأن تجربتي الأولى و البسيطة في كيفية إمساك القلم بين أصابعي ، أحببتها و تعلمتها بمفردي ، هم لهم آلام و أحزان تناسب واقعهم ، أما آلامي فهي منسوجة و محاكة من صوف نادر ، كأن تكون أنثى تنافس الذكر ، في مجتمع ذكوري نامٍ ، و تتضافر الجهود في كسرها ، فتحس كأنها في صراع مع العادات و التقاليد  القاتلة لشخصية الأنثى القوية ، هذا من جهة ، و طغيان المؤسسات و استبدادها من جهة ثانية  ،و من زاوية ثالثة المناخ القاسي للطبيعة التي تقطنها داخل قرية منغلقة الفكر و الرؤى ، هنا غربتها و صمودها “معجزة”  .

أتذكر يوم فقدت مذكرة ، كنت أدون فيها أفكار مدرس اللغة العربية بالسنة أولى إعدادي – مذكرة بسيطة شبيهة بمذكرة البقال ، لا يتعدى ثمنها ثلاثة أو أربعة دراهم –  أحسست بالاختناق و رغبة في البكاء الشديد ، و لم أستطع ذلك  ، ظلت ثلاث أفكار عظيمة مدونة فيها ، مرسخة في ذهني ، وهي : أولا : “كن فاعلا لا مفعولا به داخل المجتمع” ، ثانيا : “السلم يجسد الإنسانية و الحرب تجسد الدمار للعالم ” ، ثالثا : ” المدرسة و الشارع و الأرض هي مقدسات  كالمساجد و الكنائس ” ، كنت أغرد كالعصافير بها في طفولتي ، حتى ولجت إلى تجارب داخل المساجد و الجامعة و الشارع ، فوجدت : الدماء / الحروب / الصراعات / العداء / الكره / الضغينة ، أشلاء متناثرة ، هنا وهناك ،  فاستنتجت بأن تلك الأفكار الثلاثة التي تعلمتها أكبر من الواقع ، و هي حلم معلمي حفظتها منه ، كأنه كان يقول لنا بطريقة أخرى ثلاث أفكار واقعية  : أولا : ” أنتم مفعول بكم لا فاعلين داخل المجتمع “، ثانيا : ” لغة العالم هي الحرب لا السلم و الإنسانية” ، ثالثا : “المدرسة و الشارع و الأرض ساحة دماء و البقاء للأقوى ” ، مع كل الأسى و الأسف .

ستظل غامضا لبساطتك ، فعلى سبيل المثال ،  أن تكون طالب علم ، تبحث و تتقصى الحقائق المعرفية للأفكار لا الذوات ، لا تصدر أي حكم مطلق على ذات / فكرة / قضية / توجه / تيار بكماله و صلاحيته الإطلاقية ، لأن الفلاسفة و العلماء أنفسهم يعترفون بفشلهم و نسبية حقائقهم ، فيفتحون المجال للتطور التاريخي للأفكار ، كي أنزل أكثر ، على  سحب وفوق  أفلاك إلى الأرض ، لكل مجاله و قواعده التي يشتغل بها ، فرائد العقلانية و مناقضه في إثبات اللاعقل ، لهما نفس المكانة و القيمة و السمة الرمزية التي يثبتانها ، إلا أن الاختلاف في تلك الهندسات التي تؤطرهما ، فالأولى أوقليدية ، لا تصلح إلا في مجال محدود منبسط فقط ، أما  الثانية فهي  خاضعة لهندسة مغايرة  للاستقامة ، كهندسة ريمان و لوباتشوفسكي و غوس ، التي هي أوسع و أشمل ، تضم الأرض و الأفلاك …، فكن ذاتك لا متقمصا أدوارا تفوقك خبرة و تجربة ، فتصبح مهرجا للأطفال ، اصعد السلالم درجا درجا ، معتمدا على إرادتك و عزيمتك ، لا تلتفت للوراء ، و إذا سقطت قم بنفسك ولا تستند على أية عصا ، دع أفكارك و طموحاتك و أحلامك تقودك ، ولو كنت وحدك على الطريق، فإنها ظلك الذي يحركك و يوقظك من سباتك العميق ومن غربتك القاتمة .

لبنى بطاهر

أستاذة فلسفة ,باحثة في سلك الماستر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى