الهدهد الثقافي

في رحاب كتاب” دراسات في التراث الشعري والغنائي الأمازيغي”

 

عثرتُ صدفةً على الشهادة التالية صامتةً في بطن أحد الملفات، وقد كُتبت قبل عام تقريبا حين كان الكتابُ مُسوَّدَةً أوّليّة؛ وحين يحولُ الحوْلُ على ما يُزكّى عيناً ونقداً وَجَب آنئذ إخراج الزكاة، وزكاة المعرفة نشرها .

” إن لليوم غداً، وإن في الميدان لأفراساً مطلقةً، وإن أبواب العمل مفتوحة على مصاريعها أمام كل من أراد أن يعمل في أي عمل من الميادين، وقد زالت الأعذار بالاستقلال.”؛ لم تكن هذه العبارة حقيقة إلا مقطعا يسيرا من مقدمة كتاب سوس العالِمة للعلاّمة محمد المختار السوسي، وقد تبادرت إلى ذهني لحظة الفراغ من قراءة فحاوي هذا الكتاب الطافح بدراسات ماتعة وغاية في الإجادة والإفادة. وليس هذا بمستغرب من الباحث سعيد جليل، وهو الباحث الذي عرفناه منذ سنوات مسكونا بالموضوع وبالهمّ الأمازيغيين، حتى لكأنه ممن طوّقت وصيّة المختار السوسي رقابهم بَلهَ أقلامهم.

تأتي أهمية متن هذا الكتاب_ في نظري_ في تحقيق شرطي الرّاهنيّة والشموليّة؛ الراهنية متمثلةً في اشتغال الباحث على مواضيع تتجدد ذاتيا كلما اقتربت منها الأقلام النقدية والتحليليّة، هي مواضيع لا ينقضي النقاش حولها بانقضاء زمن الخوض فيها، خاصة وأن معظم التراث الأمازيغي الغنائي شفوي المنشأ ولسانيُّ العبور عبر العصور، غير محكوم بالثبات؛ كموضوع أصول ومصادر الشعر الأمازيغي، وموضوع شعر الهجرة والمهاجرين ( شعر الرايس إبراهيم بيهتّي نموذجا)، وموضوع المقاومة والرفض في شعر الرّوايس، وموضوع المقاربة الاجتماعية والسياسية للشعر السّوسي. أما شرط الشموليّة فقد تمكن الباحث من تحقيقه بتضمين مؤلَّفِه أغلب القضايا التي تلامس من قريب أو من بعيد ثيمة الأغنية الأمازيغية السوسية، وكلّ مُتعلِّقاتها بشكل عام، وكأيّن من أغنية لا تخلو من متن لغوي ومن لحنٍ_ يُشكِّلُه إيقاعاها الداخلي والخارجي_ ومن موضوع يحمل رسالة الرّايس/الشّاعر. ويُحسب للباحث أمانةً إحاطته الجيّدة بمعمار القصيدة الأمازيغية وتمظهرها في آخر الشوط أغنيةً تتفاعل مع المتلقي، ونجد كل هذا مبثوثا في المواضيع الأخرى ضمن متن الكتاب.

إن قراءةً عجْلى ومنضغطةً لا تمنحنا صدقا مساحة كافية لتثمين جهود الباحث سعيد جليل، وما بذله من عمل بحثيّ جادّ ومهم يندرج في سياق المساهمة في توثيق الأدب الأمازيغي السّوسي على وجه خاص، وفي سياق المشاركة _ ولو بالقليل _ في مسار التدّوين الذي عرفه الأمازيغ عبر ربوع الوطن متأخرين للأسف.

إن الكتاب إضافة نوعية وكيفيّة للمكتبة الأدبية الأمازيغية المغربية، ومكسب للدوائر الثقافية الجهوية والوطنية، وحريٌّ بكل متطلّع إلى الإمتاع والفائدة أن يتحصل على هذا المرجع الطافح بالدُّرر.

أيت ملول. يوم :15/06/2020.

إبراهيم أوحسين

أستاذ التعليم الابتدائي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى