جمع المؤنث السالم

نداء المرأة القروية

 

منذ زمن طويل و المرأة في صراع   مع الوجود، من أجل الحفاظ على كينونتها، إذ تم تجريدها مما هو حق مشترك، وجعلها قابعة في بئر، تناجي خالقها لإنقاذها، ليطرح إشكال عميق: أليست المرأة إنسانا مكرما لا كائنا مثل الحيوانات الزاحفة على الأرض ؟ سيكون الجواب ب “نعم”، لقد أصبحت مثقفة، معلمة، محامية،  طبيبة، مهندسة، امرأة سياسة…، تنافس الرجل في كل المجالات ، لها وزن ثقيل ، بالمقارنة بما كانت عليه  سالفا ، لكن هذا التطور و النمو الذي لحقها ، لم تنف تلك النظرة الدونية و السلطوية من طرف الرجل، فعليها أن تكون تابعة له ، وخاضعة لقراراته ، وفي هذا الموضوع الشاغل بين المرأة و الرجل ، حديث مستفيض الرؤى و التأويلات اللامتناهية ، فما يثير البلبلة الصاخبة في خوالج الذات  و الدهشة العجيبة  هو فصل المرأة عن المرأة ، وحدوث تعال للمرأة المتمدنة  عن المرأة  القروية ، مما أدى إلى  خلق ذلك الشعور المأساوي لهذه الأخيرة ، و ترفّع الأولى عليها .

لقد كتب القدر على المرأة في المناطق المهمشة  بأن تحمل العبء كله على ظهرها ، أي أن ترفع الصخرة السيزيفية نحو القمة ،  تربي ، تعمل داخل البيت و في الحقل  كأنه واجب عليها دون أن تنال أي جزاء ، ماديا كان أو معنويا  .  فالشقاء مكتوب على جبينها منذ ولادتها إلى أن تعود إلى بارئها كأنها لم تولد من الأصل، مادامت محرومة من اقتطاف ثمار محصولها ، لتظل تحت لواء الرجل الذي يمثل في هذه الحالة السيّد المستبدّ .هذا هو  المصير الذي كرسته المؤسسات المدنية ، بطريقة مباشرة أو غير مباشرة ، كأن النساء القرويات متسولات داخل التراب الوطني ، ينلن كلمات الشفقة و العطف ، و ينتظرن يد المساعدة في حالة يرثى لها ، أ حق هذا ؟ أعدل  هذا القضاء ؟  ألسنا نسير في ضلال ؟ فأين الحقيقة والصواب في كلّ هذا ؟

الغريب في الأمر ، أن وسط تلك الهشاشة  قوةُ  المجتمع ، وهي المحرك لنقل البلاد من عالم التخلف إلى عالم التقدم ، فتلك النسوة اللائي تعشن في الصحراء و الجبل ، رغم معاناتهن وعلمهن بأنهن ولدن ليشقين ، أملهن في  فلذات أكبادهن ، إذ تضحّين بالغالي و النفيس ، من أجل إنقاذها من الجحيم اليومي  ، فرأين بأن لا سبيل إلى النجاة  سوى تعليمها ، ذلك بإرسال أولادهن إلى المدينة  ، لعلهم يكونون سفينة نجاة لهن.

سأقف هنا وقفة تأمل، فالأبناء المهاجرون من القرية إلى المدينة، حاملين معهم ذكريات طفولتهم البسيطة، و معاناة أسرهم في بواطنهم، جلّهم، بل معظمهم يجتهدون و يكافحون و يناضلون بكل ما تحمله طبيعتهم من خير للبلاد، بغية تحقيق عيش كريم بشروط مشروعة موضوعية.  لنخلص في نهاية المطاف إلى أن المرأة في البوادي أول عامل في إنتاج مجتمع قوي البنى  البشرية ، فكما قال أحدهم : ” المرأة البدوية هي من أنجبت المقاومين و الجنود و المهاجرين الذين ينفقون أموالهم الآن في المدينة … الأصل هو البادية “، مع ثقتنا الكاملة في المرأة المتمدنة المتحضّرة وإسهامها الكبير في تحريك عجلة التنمية، كما لاننكر بأن المرأة المتمدنة في الواجهة ، لكنها  شبيهة  ب”النظام المركزي” للدولة ،

تتمركز في مجال  المهن و التنظيم العام ، ولا تستطيع أن ترى معاناة  نساء الهوامش ، لهذا عليها أن تضع ممثلين لها بالمناطق اللامركزية ، و تدافع عن حقوقها و إزالة القهر الذي لفها لسنوات طوال ،بمنحها حريتها و كرامتها و مساواتها في العيش الكريم ،مثل أختها (=المرأة المتمدنة )، باعتبار هذه الأخيرة تعرف حقوقها ، كما أنها تتميز بنوع من الاستقلالية عن الرجل .

و لذلك، يجب اعتبار ربة البيت موظفة في سلك الوظيفة العمومية، ولها راتب يليق بها، ومحاولة الرقي بها في الواجهة،  حيث سنقع في معضلة شائكة، وهي: كيف لربة بيت جاهلة بأمور السياسة و الإدارة، أن تكون امرأة سياسية قيادية ؟ ! هذه الإشكالية تنزلنا من برجنا العاجي، لنتساءل:  هل كل السياسيين منظرون في السياسة ؟ ! وهل هم علماء في السياسة ؟ ! أليس معظمهم امتهنها كصنعة وعمل روتيني ؟ !! إذن : لنبدأ معها من الصفر ، وننشئ  مؤسسات تقدم دروسا في القيادة و السياسة و التسيير و الإدارة  لنساء الهوامش باللغة التي تفهمها ، سواء باللغة العربية أو اللغة الأمازيغية أو اللهجة المغربية ، لنخلق فيها الوعي بالقضايا السياسية ، ولتكن هذه المهمة على يد المرأة المتمدنة ، التي تعلمت وتخرجت من الجامعة ، أعرف أنني ربما أحلم و أهلوس  !!! لكن ، هذه هي الطريقة السريعة في إحداث الفرق و إعادة الموازين و المكانة للمرأة  القروية ، واللحاق بالتجربة الغربية المتقدمة.

عموما، لا انتفاضة و لا نهضة اجتماعية إلا بالانطلاق من المرأة القروية كذات فاعلة لا مستهلكة، لإزالة الغبن و القهر و ذاك الإحساس بالنقص من قلبها، بجعلها واعية ومساهمة بالأمور و القضايا الاجتماعية و السياسية…. ، و مشاركتها في القيادة و الإدارة ، بعد مد العون من شقيقتها المرأة التي تلقنت تعليما أكاديميا ، فهي تظل أمها التي أنجبتها ولولاها لما كانت ، لرد الاعتبار إليها ، وهذا أقل ما يمكن فعله لأجلها ، لا اعترافا و إنما حقها وواجبنا كنساء تجاهها .

عندما أنظر إلى النساء المتقدمات الحرائر ، وهن جالسات على كراسي التعليم و المناصب الإدارية ، و أنا بمثابة طالبة علم تتقصى الحقائق المتغيرة في الزمكان معهم ، ينتابني سؤال محير : لم لا نعود للقاء و التواصل مع النساء في البوادي داخل بيوت الطين و الجلوس على الحصير وسماع آهاتهم و معاناتهم ، و إيصالها إلى الساسة ؟ اكتفينا من التنظيرات و الكلمات الرنانة من طرف تلك النسوة اللواتي تدعين أنفسهن ذوات مناصب ،غافلات عن حجم معاناة أخواتهن البدويات اللائي تجلبن الماء  و تجمعن الحطب و تطبخن في أفران  تقليدية . إن المتمدّنات لا يطالبن بحقوقهن ، بل يستغللنهن بطريقة بشعة معنويا ، فتستنزفن طاقتها وخيراتها ، من أجل مصالح ذاتية وخاصة لا غير .

سأختم بالقول :  إن تلك المرأة التي تنتمي إلى النخبة السياسية  ، مثلها مثل النظام المركزي الضيق ، تحتاج إلى تفويض من مهامها إلى نساء داخل النظام اللامركزي الواسع ، لعلنا نقترب رويدا رويدا نحو التنمية الاجتماعية و الاقتصادية و السياسية للبلاد .

لبنى بطاهر

أستاذة فلسفة ,باحثة في سلك الماستر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى