خواطر

هل أقبل موسم المراثي؟

كأني بمجيب مستنكر يرد عليّ: وهل أدبر يوما ليقبل مجددا ؟! ونعم، مازال الموت بيننا مذ كانت الحياة، ولكن..يأتي على الإنسان حين لايكاد يسمع فيه من الأخبار سوى الموت. حتى أننا نتسائل: من التالي؟ ويصير هادم اللذات أكثر حضورا.. والمرثيات أكثر ذكرا و تناقلا على ألسنة الناس، والفاجعة تنسينا الفاجعة، ولا ينتهي حداد إلا ليبدأ آخر: هذا مات فجأة وأهدى شبابه للتراب، وهذه تودع أمها الوداع الأخير.. وتودع معها الكثير من الحنان، وذاك دُفِن فدفن معه علم غزير، وتلك صار ابنها تحت التراب.. فهي موزعة بين شطرين؛ شطر يمشي فوق الأرض و شطر آخر ساكن هناك..تحت الأرض.
أي قلم يسعف صاحبه أمام كل تلك المراثي حين تجتمع دفعة واحدة؟ أي لسان يكاد أن يبين دون أن يتلعثم من أثر الصدمة؟ أي قلب؟ أي عقل لا يتفكر ويتسائل و يتأمل؟ فلئن رثينا طفولة لم تكتمل، هل سيغنينا ذلك من رثاء شيخوخة اكتملت ؟ ولئن رثينا عَلَمًا من الأعلام، فهل سنتجاوز رحيل رجل مغمور بين الناس؟ لا والله، بل إن الفقد هو الفقد، والخسارة هي الخسارة، والموت هو الموت.. وهنا تنتهي الكلمات. فلا شيء غير الصمت يصبح معبرا.. والعينان فقط تنطقان.. ووحده الإيمان يعزي هذا القلب و يطمئنه.
هذه سنة الله في خلقه، “الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ”. فلا يفجعنا الموت إلا بالقدر الذي يكفينا لنتذكر، ولا تلهينا الحياة و تنسينا إلا بالقدر الذي يجوز معه أن تكون هي الإمتحان.. فمن بلغ الإحسان بلغ الغاية، ومن سعى إليها فقد أدرك السبيل، ومن اعتبر و اتعظ بمشاهد تعاقب الموت والحياة فعساه يستقبل خيرا مما استدبره.. وكفى بالموت واعظا. وكل باك سيبكى، وكل إنسان سيُنْسَى.. وإن أحدنا لَيُنْسَى وهو على قيد الحياة ممن كان يخالهم بالأمس القريب أوفى الناس، لسبب أو بدون سبب، وقد قيل :”البعيد عن العين بعيد عن القلب”، فكيف بمن صار تحت الثرى..؟!
ثم تستمر الحياة.. بنا أو من دوننا.. ومثلما تخبرنا أنها مستمرة، يخبرنا الموت بأنه اليقين. ونحن بين الحقيقتين نتأرجح، فلئن رجحت كفة الخوف حينا، فلسوف ترجح كفة الرجاء بعد حين. ولا يستقيم العيش إلا بهما معا.. وكما نقر بأنه اليقين، نقر كذلك بأن لن يدخلها أحد بعمله إلا أن يتغمده الله برحمته.
أعود للمراثي فأقول: نحن معها أحد اثنين؛ أما الأول فمغالب نفسه، مستحملا أثر الفجيعة، ليرثي فقيده بما يجود به خاطره ويودعه وداعا أخيرا يليق به، وأما الثاني فمشدوه أفقدته الصدمة جلادته، فاختار الخلوة و الإكتفاء بما يعتمل في النفس عما يدور حولها. وأيا يكن الحال، فإن استحضار جميل آثار الراحلين، ونشر إرثهم والإعتناء به، والسير على أثرهم لهو الأبلغ رِثَاءً.. والأصدق وَفَاءً.. وهكذا فقط يبعث الموت على الحياة: فتدعو الحسنة إلى الحسنة، ويدفع الخير إلى الخير، ويرث جيل الأمانة عن جيل، وسبحان الذي يخرج الحي من الميت…فلله ما أعطى و له ما أخذ، وله ما سيعطي وله ما سيأخذ، ولله الأمر من قبل و بعد، ولا غالب إلا الله.

عبدالصمد بوتكيوت

مواطن مغربي، بالغ من العمر 29 سنة. ولدت في قرية صغيرة بين الجبال في ضواحي مدينة تزنيت. حاصل على شهادة الماجستير من كلية العلوم و التقنيات بالسطات تخصص الأنظمة و الشبكات، محب للتدوين و السفر و محادثة الناس و التعلم منهم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى