خواطر طبيب

هل اعتمد سليمانُ (عليه السلام) الحروب القتالية أسلوباً دينياً في دعوة غير المسلمين إلى الإسلام وإكراههم عليه ؟

جوابُ سؤالٍ حَرِجٍ
هل اعتمد سليمانُ (عليه السلام) الحروب القتالية
أسلوباً دينياً في دعوة غير المسلمين إلى الإسلام وإكراههم عليه ؟!
يحيى رضا جاد
طبيب بشري وباحث وكاتب مصري
مستقل فكرياً وسياسياً
* سئلتُ :
في القرآن الكريم : “قَالَتْ يَا أَيُّهَا المَلأ إِنِّي ألقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيم, إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِييم, ألا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِين” [النمل 29 ـ 31] .. “ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَّا قِبَلَ لَهُم بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُم مِّنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُون” [النمل 37] .. في هذه الآيات الكريمات يبدو جَلِيَّاً أن النبي سليمان عليه السلام يُخَيِّرُ سبأ بين الدخول في الإسلام أو الحرب القتالية .. أفلا يعد هذا إكراهاً ؟! أليست قضية الإيمان يجب أن تبنى على الاقتناع ؟! هذا إشكال شديد لم أجد له حلاً, فما رأيكم ؟
فأجبتُ بالآتي :
* أولاً :
الرأيُ عندي أنَّ قتالَ الإنسانِ، مطلقَ الإنسان، لإجباره على دخول الإسلام, أو لإعادته إليه، أو لتغيير دينه, أو لإعادته إليه، أياً ما كان هذا الدين, مُحَرَّمٌ – عندنا- لا شك فيه؛ إذ مبدأ “مَن رفض الاقتناع؛ فعلاجه الاقتلاع” مرفوضٌ عقلاً ونقلاً .. وتفصيل ذلك, وبيانُ أدلته التي استقينا منها هذا الرأي لا تكاد تنحصر, ويضيق عن ذكرها المقام [1] .
وفي ضوء وعلى هَدْيِ هذه الأدلة المتكاثرة نصاً وروحاً ومنطقاً وفلسفةً : يجب أن تُفهم أيةُ قضايا أو آياتٍ أو أحاديثَ أخرى قد يَظهر بادِيَ الرأيِ أنها تخالفها.
* ثانياً :
إنما أَرسَل سيدُنا سليمان برسالة جاء فيها : “ألا تعلو عليَّ وائتوني مسلمين” [النمل 31] .. وليس فيها ابتداءً, وكما هو واضحٌ لكل ذي عينين, تَهديدٌ ولا وَعيدٌ ولا إِنذارٌ باستخدام القوة القتالية.
ويؤكد ذلك ويعززه ويُثَبِّتُهُ قولُ ملكة سبأ “إني أُلقي إليَّ كتابٌ كريمٌ”,فهل يمكن عقلاً أن يحملَ مضمونُ الكتابِ إلى سبأٍ – ابتداءً- تهديداً أو وعيداً أو إنذاراً باستخدام القوة القتالية – ولو بالإشارة والتلميح دون التصريح- ثم تَصِفُهُ مَلِكتهم بأنه “كتابٌ كريم” ؟! أين محل ومصداقُ الكرامةِ والكَرَم فيه إذاً ؟!
كَرُمَت الأرضُ : أي زَكا نباتُها, أي نما وكَبُرَ وتمَّ وجَادَ وطاب.
والكرامةُ : الغِطاءُ يوضَعُ على رأس الجَرَّة أو القِدر, فهو يُكمله ويتممه ويزينه ويحفظه ويُكسِبُه جمالاً وعزةً ونفاسةً.
هذا أصلُ معنى مادة “كرم”, وبه يتضح أنَّ وصفَ شيءٍ بأنه “كريم” يعني تَمامَه وجُودَه وطِيبَه وكماله وزينَتَه وعِزَّتَه ونَفاسَتَه معاً, مَظهرا ومَخبراً, شكلاً وموضوعاً, عنواناً خارجياً ومحتوىً مضمونياً .. فهل تَجِدُ مصداقاً لهذه الأوصاف – التي يَصِفُهُ بها مُستَقبِلُ الكتابِ- في كتابٍ مُرسَلٍ يتهدد ويتوعد المرسَلَ إليه كما قد يظن البعضُ [2] ؟! لو كان الأمرُ كما يظنُّ البعضُ لَوُصِفَ الكتابُ بأوصافٍ شديدة جارحة مُهينة, أليس كذلك ؟!
“ألا تَعلوا عليَّ” : طلبٌ منهم أن يَرُدُّوا على كتابه ولا يتعالوا ويتكبروا؛ إذ شأنُ هؤلاء الملوكِ أن يَبتَغوا العلوَّ على غيرهم, استيلاءً على الأملاك, واستئثاراً بالخيرات دوناً عن أهلها بل وعن بقية الخلق, ليُصبِحوا هم “المتحكمين في الناس” لا “الحاكمين بينهم”, “المانحين للخيرات” لا “القائمين على أن تُوَزَّعَ بالقسط”.
“وائتوني مسلمين” : طلبٌ منهم أن يأتوه طائعين مُسالِمين (أو دعوةٌ يوجهها لهم كي يؤمنوا بالإسلام؛ الذي هو دينُ السلام والعدل؛ المُنبَثِقَيْن عن التوحيد), غيرَ فاعلين ما تفعله الجبابرة الطغاة العُتاة من “أولي القوةِ والبأسِ الشديد”.
فلم يكن سيدنا سليمان يبغي استيلاءً على مُلكهم أبداً, ولم يقصد قطُّ إجبارَهم على الإيمان بالله, وإنما هي “دعوةٌ” للإسلامِ, للتوحيدِ, للهِ, يدعو بها قوماً هَمَّه وأحزنه أن وَجدهم يَعبدون الشمسَ لا خالِق الشمس .. دعوةٌ إلى دين الله بالحكمة والحُسنى, يَقصِدُ إليها سليمانُ في سِلمٍ لا في حربٍ؛ لأنَّ السِّلمَ هو الطريقُ المستقيمُ للإيمان بالله والدعوةِ إليه.
فلما رأت المَلِكةُ الكتابَ, عقدت مجلساً لمشاورة “الملأ”, فقالوا – وقد أخَذَتهم العِزَّةُ بالإثم, معجَبين بكثرتهم وقوتهم- : “نحن أولوا قوةٍ وأولو بأس شديدٍ”, ونحن طوعُ أمرِ الرئيس, فانظري ماذا تأمرين ؟
ولَمَّا كانت المَلِكَةُ عاقلةً حكيمةً كَيِّسَةً (وكيف لا, و”قد أوتِيَت مِن كلِّ شيء” [النمل 23]), لم تغتر بما أبداهُ الملأُ مِن قوةٍ وبأسٍ وكمالِ طاعةٍ .. إذ فَكَّرت, فقَدَّرت (كما يقضي الرشدُ والعقلُ والمنطق في مثل هذا الظرف, وهي مِن ثلاثتها بمكانٍ؛ فقد “أوتيت من كل شيء”) وجوبَ استطلاعِ حال هذا المُرسِل للكتاب, فإنَّ “الكتابَ الكريمَ” لا يُنبئ – ظاهرياً على الأقل- بسوءٍ, وإنه إنْ كان مَلِكاً فعاندناه وحاربناه, ربما لن نتحصل خيراً, إذ ليست الحربُ سبيلَ الخير الطبيعي, وربما يَغلبنا, فيدخل ديارنا ويهتك حُرُماتِنا؛ فإن الملوكَ إذا دخلوا قريةً غازين محاربين ومقاتلين أفسدوها, وجعلوا أعزةَ أهلها أذلة .. فلنتعامل بمنطق أكثر حكمةً وسلامة .. فلنرسل إليه بهدية لِنَرَ رَدَّ فعلِه تجاهها, إن كان مَلِكاً يبغي مزيداً ومُكاثَرَةً (فيقبلَ الهديةَ ويتركَ لهم مُلكَهم) أم غيرَ ذلك (فلن يَقبَلَ الهديةَ, بل سيصمم على الاستمرار في دعوتهم إلى دينه), ونَرَ – في ذات الوقت- ما تأتينا به رُسُلنا من أخبارٍ حوله .. ثم يكون لنا معه شأنٌ آخَر.
فَرَفَضَ سليمانُ عليه السلامُ الهديةَ, وقال مُظهِراً ما عنده مِن قوةٍ؛ لئلا يطمعوا في حربه بعد ردِّ هديتهم إليهم : “ارجع إليهم فلنأتينهم بجنودٍ لا قِبَلَ لهم بها, وَلَنُخرِجَنَّهم منها أذلةً وهم صاغرون” [النمل 37]؛ يعني إن أرادوا حَربَه .. ويؤكد هذا ظاهرُ القصصِ القرآني, بل وسياقُهُ الطبيعي أيضاً, حيث إنه عليه السلام لم يَحشِد الجيوشَ تجاههم فوراً بعد ردِّ الهديةِ كما يريدُ أن يَظُنَّ البعضُ أو يتخيل, أين هذا في القصة, وأين هذا منها ؟! .. بل المُضمَرُ مِن القصةِ, والذي يقتضيه سياقها المَحكي والطبيعي معاً, أنه كانت هناك “مراسلات” و”مباحثات” انتهت إلى ترتيبَ موعدٍ بين “الرأسين الكبيرين”, لا شنَّ حربٍ مِن أحدهما على الآخَر, وإن شئتَ قلتَ بلغتنا المعاصرة, انتهت “المباحثات الرسمية” إلى ترتيبِ “زيارةٍ رسميةٍ” مِن ملكة سبأ إلى سيدنا سليمان عليه السلام, آمنت على أثرها بالدين الذي بما دعاها سليمان إليه
* ثالثاً :
بالإضافة إلى البيان الجَلِيِّ السابق, أو بصرف النظر عنه حتى ..”فلنأتينهم بجنودلا قِبَل لهم بها ولنُخرجنهم منها أذلة” [النمل 37]؛ لم يحدد سيدنا سليمان عليه السلام مَاهِيَّةَ الجنود, ولا كيفيةَ إخراجِ ملكةِ سبأ وقومِها مِن المكان الذي يقطنونه .. يقول تعالى : “وحُشر لسيمان جنودُه من الجن والإنس والطير فهُم يوزَعون” [النمل 17]؛ فهل سيُخرجهم بواسطة جنودٍ وعساكر وقتال .. أم باستخدام الجن والطير – إذ سَخَّرهم الله له- .. أم بمجرد الخوف والرعب والهيبة التي يمكن أن يلقيها منظر هؤلاء الجنود – أياً ما كانت ماهيتهم وطبيعتهم- في قلوب قوم سبأ عندما يرونهم أو يعلمون نبأهم ؟ .. هذا مما سكتت عنه سكوتاً الآية الكريمةُ.
فليس في الآية أبداً ما يَنطِقُ أو يُنْبِئُ باستخدام “القتال العسكري” و”حد السيف الذي يطيح بالرقاب” في التعامل معهم.
* رابعاً :
وبنظرةٍ أخرى ومعالَجةٍ ثانيةٍ للموضوع, نقول : لا تنس أنَّ ملكة سبأ قد تعاملت مع سليمان – ولو على سبيل الاختبار له؛ تَبَيُّناً لحاله- بمنطق “الملوك” الذين يحرصون على الحياة الدنيا وغنائمها, ويستعذبون التوسع وبسط النفوذ والتسلط على الرقاب .. فأرسلت إليه بـ “هدية”؛ هي في حقيقتها “رشوة سياسية” تتبين بها إن كان مَلِكَاً إذا قَبِلَها, أمْ نبياً إذا رفضها.
ويَظهر أن سيدَنا سليمان قد اعتبر ذلك “أمراً جَللا” (يستدعي اتخاذَ تَصَرُّفٍ مَا حياله)؛ أنْ يُحاولَ أحدٌ “رِشوةَ نَبيٍّ”؛ لِيَكُفَّ عن دعوة الناس إلى دين الله (وملكة سبأ في حقيقة الأمر, كما هو ظاهر القصة, لم تكن تعلم عنه نبوةً, وإنما ظَنَّ سليمانُ ذلك فيما يبدو).
وفَكَّر سليمانُ وقَدَّر, فقرر التصرفَ بـ “إعلان نِيَّتِهِ” حشدَ الجنود تجاه سبأ (لا بـ “اتخاذ قرار الحشد” و”تنفيذه فعلياً”)؛ حمايةً لحق المؤمنين في الدعوة إلى دين الله, وحتى لا يَحُول المال, ولا “الرِّشَى المالية”, دون بلوغ دعوة التوحيدِ آذانَ الناس.
فكان تَصَرُّفُ سليمانُ دفاعاً عن “حرية الدعوة” و”حرية الدين والتدين” .. فمِن حق الناس – كل الناس- أن تصل إلى أسماعهم دعوةُ التوحيد .. والرشوة الماليةمِمَّن قدمها- تعني, أو يغلب على الظن أنْ تعني, استخدامَه لهذا الأسلوب القذر” في صد الناس عن دين الله بـ “الغواية المالية, أو على الأقل للحيلولة دون وصولِ صوتها إليهم.
باختصار, كان تصرف سليمان “دفاعاً” عن “الحرية الدينية” في وجه “الغواية المالية”؛ سواءٌ كانت هذه الغواية مُسْتَهدِفَةً له أو لغيره مِن الناس؛ فمَن يَبعث لنبي برشوة سياسية, يغلب على الظن أن يكون قد فعَّل نَفْسَ هذه الآلية في معاملة شَعْبِه الذي يَدين له بالولاء والطاعة؛ حسبما كانت تقضي النظم السياسية قديماً؛ إذ كان “الناسُ على دين ملوكهم”؛ إذا آمن الملك آمنوا, وإذا كفر كفروا .. تذكر وتدبر – على سبيل المثال- قولَ فرعون : “آمنتم له قبل أن آذَن لكم” ؟!
وتدبر قولَ سليمان : “بل أنتم بهديتكم تفرحون : ارجع إليهم ..”؛ فرَبَطَ الرجوعَ الذي فيه إخبارُ الهدهدِ لهم بـ “فلنأتينهم بجنود” .. رَبَطَ هذا الرجوعَ بـ “أنتم بهديتكم تفرحون”؛ “فما آتان الله خيرٌ مما آتاكم” .. حيث رتَّب أمرَ إعلانِ نيته بتحريك الجنودِ : على قيامِ سبأٍ بالإغواء المالي (= إرسال الهدية).
ولا تنس فوق ذلك أنَّ الهدهد كان حاضراً وشاهداً للمداولات والنقاشات التي دارت بين كبار قوم سبأ, والتي ذكروا فيها : “نحن أولوا قوة وأولو بأس شديد” .. فعندما يُنقَل هذا للقائد الذي على الضفة الأخرى – سليمان- , فَمِنَ المنطقي تماماً أن يكون رده : “فلنأتينهم بجنود”؛ مِن باب “الضربة الاستباقية”, سواءٌ كانت هذه الضربةُ بقتال عسكري أم بغيره مِن جنودٍ سَخَّرها الله لسيدنا سليمان.
* خامساً :
لا تنس, فوقَ جيمعِ ما سبقَ مِن بيانٍ وقَبلَه, أنَّ الأمرَ كله قد وقع عَرَضاً؛ بغير قصد ولا عزم من سليمان, فإنما هو هدهدٌ له, سَارَ في أرض الله, فوجد هذه الملكة وهذا الشعب يفعلون كذا وكذا, فلما عاد إلى سليمان قصَّ عليه ما رأى, فقام سليمان بما قام به.
فلو كان مِن مقاصدِ دينِ الله ودعوةِ الأنبياء ابتداءً إجبارُ الناس على التوحيد وقتالهم على ذلك؛ لوقع طَلَبُ ذلك مِن سليمان ابتداءً, ولحُثَّ وحَثَّ عليه, ولَسَعَى إليه بكل سبيل .. ولكنْ أين موقع هذا كله مِن القصة وسياقها ؟! بل وأين هو مِن قصص الأنبياء جميعاً في كتاب الله ؟!
ولا تنس أيضاً – فوقَ جيمعِ ما سبقَ مِن بيانٍ وقَبلَه- دلالةَ قولِ سليمان : “أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين” [النمل 38]؛ فهو عليه السلام كان يعلم, قبل أن يأتي وفدُ سبأ إليه, أنهم سيؤمنون, فَمَن أخبره بهذا الأمر الغيبي المستقبلي ؟! وهل هذا يُزَكِّي “الحملة العسكرية الشرسة” التي يتخيل البعض أنَّ سليمان قد أعد لها لإرغام سبأ على الإيمان بالله ؟! وهل كان عازماً حقاً وصدقاً على “القتال العسكري” – كما يُخَيَّل إلى البعض- وهو يعلم أنهم سيأتونه مسلمين بعد قليل, ودون رفع سِنِّ سلاح واحد ؟!
المقامُ كلُّهُ – بناءً على ما بيَّنَّا في خامساً وما سيأتي في سادساً- “مقامُ خصوصية” لا يمكن أن يقاس عليه, بل – فوق ذلك ومعه- “مقامُ إعجازٍ ومعجزاتٍ”؛ فإن قصة سليمان وسبأ هذه قد وردت في سياق الحديث عن معجزاتٍ للأنبياء؛ فابتدأت سورةُ النملِ بالحديث “تفصيلاً” عن بعض معجزات موسى (النار – كلام الله له – العصا – بياض اليد مِن غير سوء .. إلخ), ثم ثَنَّت الآياتُ مباشرةً بالحديث عن داوود وسليمان والفضائل التي أكرمه بها الله, والخوارق/ الكرامات/ الفضائل التي خصَّ الله بها إياه (العلم – منطق الطير – الإيتاء من كل شيء – حشر الجنود له – فقهه للغة النمل – ثم حادثة الهدهد).
* سادساً :
في جميع الأحوال, لا يصح أن يقال – إجابةً عن الإشكال الوارد في السؤال- : “إن إكراه غير المُوَحِّد على توحيد الله بالقوة كان مباحاً على عهد سليمان”؛ لأن امتناعَ الإكراه في الدين “مبدأٌ” لا يتغير بتغير الظروف ولا الأزمنة ولا الأمكنة ولا الأشخاص ولا الأحوال .. وإلا لبَطل الدين مِن أساسه؛ فإن الله يريد “قلوب عباد” لا “أعناق عبيد” .. وإلا لَتَحَوَّلَ الناسُ – الذين أُجْبِروا بالقوة على التوحيد- إلى شعبٍ من المنافقين .. وهذا يتنزه عن فعله أقل العقلاء عقلاً, فما بالكم بواهب العقل ؟!
فإن قيل : كان هذا مباحاً على شريعة سليمان, ثم نُسخ في شريعة محمد؛ لأنَّ كلَّ نبي إنما يُبعَث إلى قومه خاصة (ومن ثم : فما سبق مِن سليمان تشريعٌ خاصٌ بشريعة دينه التي بُعث بها), ومحمد بُعث للناس كافة, فلا يَلزَمه ما جاء في شرائع مَن قَبْلَه مِن الأنبياء.
قلتُ : صحيحٌ أنه (ص) لا تلزمه تشريعات سابقيه, ولكنَّ النزاع أصلاً : هل يمكن أن يكون مثلُ هذا تشريعاً مِن تشريعات السماء في أي وقت من الأوقات ؟! إذا ثبت الإكراهُ, بَطُلَ الدين, فإطلاقٍ وتعميم, وفي كل زمانٍ ومكانٍ وحالٍ.
والله أعلى وأعلم


[1] راجعها مشكوراً في : في فقه الاجتهاد والتجديد – دراسة تأصيلية تطبيقية, د. يحيى رضا جاد, تقديم د. محمد عمارة, (ص 208- 214، 224- 230), ط 2010م, دارالسلام – القاهرة. والحرية الفكرية والدينية – رؤية إسلامية جديدة, د. يحيى رضا جاد, تقديم د. أحمد كمال ابو المجد ود. جمال الدين عطية ود. هيثم الخياط, (ص 30- 81، 110- 127), ط 2, 2014م, الدار المصرية اللبنانية – القاهرة.
[2] التهديدُ والوعيدُ والإنذارُ صفاقةٌ ووقاحةٌ, لا كرمٌ ولا عِزَّة !

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى